كتب – محمد أبو الدهب..
بينما ترفع دول الخليج شعار التحوّل الأخضر وتتباهى بمشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين؛ تكشف تقارير حقوقية حديثة عن صورة أكثر قتامة خلف هذه الواجهة.
وبدلًا من أن تكون مشروعات الطاقة المتجددة نموذجًا للاستدامة، تحوّلت مواقعها إلى مسرح لانتهاكات جسيمة بحق العمالة الوافدة، تتنوع بين العمل القسري، والتمييز، وممارسات استقدام غير قانونية.
انتهاك حقوق العمالة الوافدة
كشف مركز موارد الأعمال وحقوق الإنسان بالتعاون مع منظمة إيكويديم في تقرير موسّع عن انتشار أنماط عمل قسري واستغلال في عدد من مشاريع الطاقة المتجددة بدول مجلس التعاون الخليجي.
وتُعاني شرائح واسعة من العمال في المواقع الصحراوية النائية من إجهاد حراري حاد، مع شحّ فترات الراحة ومياه الشرب الباردة، والعمل لفترات مطوّلة تصل إلى 12–14 ساعة في بعض الحالات.
وتظهر المخاطر الصحية والمهنية بشكلٍ خاص لدى أفراد الحراسة المتعاقدين، والفنيين، وعمال الصيانة، وسائقي التوريد، الذين يعمل كثير منهم عبر وكلاء خارجيين لا يخضعون لرقابةٍ كافية.

شهادات العمال في الخليج
عامل مصري في إحدى محطات الطاقة الشمسية بدبي – نتحفظ عن ذكر اسمه- قال: “وقّعت في بلدي على عقد بثماني ساعات عمل يوميًا، لكن عندما وصلت اكتشفت أننا نعمل 12 ساعة يوميًا تحت درجات حرارة قاسية، وإذا اعترضنا يهددوننا بالترحيل”.
وفي السعودية، ذكر عامل صيانة يعمل بمشروع للطاقة الشمسية: “دفعتُ مبالغ كبيرة لشركة استقدام في بلدي، وعندما وصلت فوجئت براتب أقل بكثير مما وُعدت به، وجواز سفري صودر منذ اليوم الأول ولم أستطع استرداده”.
وتحدّث عامل آخر يُشارك في تركيب توربينات رياح قائلاً: “السكن مُزدحم بشكل كبير، والمرافق سيئة، وهناك تمييز واضح؛ فزملائي من جنسيات أخرى يتقاضون أجورًا أعلى للعمل نفسه”.
وفي عُمان، أوضح عامل بمشروع للطاقة المتجددة: “معدات السلامة غير كافية، والتدريب لا يتجاوز محاضرة سريعة، نحن نواجه مخاطر يومية دون حماية حقيقية”.
أبعاد انتهاكات العمالة الوافدة في الخليج
تكمن خطورة هذه الانتهاكات في أنها لا تقتصر على شركات صغيرة أو مقاولين من الباطن، بل تطال أيضًا شركات دولية كبرى تشارك في تطوير هذه المشروعات في دول الخليج، بحسب التقرير الحقوقي.
وأشار التقرير إلى أن تعدد طبقات التعاقد يعقّد المساءلة ويترك العمالة في مواجهة مباشرة مع وسطاء لا يخضعون لرقابة فعّالة.
والعزلة الجغرافية لمواقع المشاريع تجعل العمال أكثر عرضة للاستغلال، في ظل غياب قنوات شكوى آمنة أو متابعة صحفية مستقلة.
ردود الشركات
بعض الشركات نفت وجود انتهاكات، فيما اكتفت شركات أخرى بالإشارة إلى “سياسات عامة” لاحترام حقوق الإنسان، دون أن توضّح كيف تُطبّق هذه السياسات على أرض الواقع.
وهذا الغياب للشفافية يثير تساؤلات حول جدية الالتزام بالمبادئ المعلنة، وفقًا لمؤسسات حقوقية دولية.
توصيات حقوقية
أصدرت منظمة إيكويديم لحقوق الإنسان عدد من التوصيات لضمان حقوق العمالة الوافدة في الخليج، أبرزها:
- الإلزام بمنع رسوم التوظيف على العمال مع آلية ردّ تلقائي لأي مبالغ دُفعت لوكلاء الاستقدام داخل وخارج الخليج، وربط ذلك بعقود الشركات مع الموردين.
- الحظر الكامل لاحتجاز جوازات السفر وتطبيق عقوبات تعاقدية على أي مقاول يثبت تورّطه، مع تدقيق مستقل ومُعلن النتائج في مواقع المقاولين من الباطن.
- نشر خرائط سلسلة القيمة لكل مشروع، بما في ذلك أسماء المقاولين الفرعيين ووكالات التوظيف، وإتاحة قنوات شكوى خارجية متعددة اللغات مع ضمان عدم الانتقام.
- مواءمة جداول العمل مع أدلة السلامة المناخية، وتطبيق بروتوكولات إيقاف العمل عند موجات الحر، وتأمين الوصول المستمر إلى الماء والظلّ والاستراحات، وفحوصات طبية دورية.
- إنشاء صناديق تعويض وتمويلها من المطورين والممولين لتغطية الأجور غير المدفوعة ورسوم الاستقدام وأضرار الإصابات، مع مسارات إنصاف فعّالة عبر هيئات مستقلة.
- إدراج مؤشرات أداء إلزامية لحقوق العمال ضمن عقود التمويل والمشتريات، وربط الدفعات بتحقق طرفٍ ثالث من الامتثال في مواقع العمل الحقيقية.
- إشراك ممثلي العمال والمجتمع المدني في تصميم نظم الشكاوى والتدقيق، وتيسير الوصول القانوني للمرافق والسكن.

معاناة خلف الوجه الأخضر
بينما يشكّل التحوّل نحو الطاقة المتجددة في الخليج خطوة استراتيجية نحو الاستدامة؛ فإن تجاهل حقوق العمالة الوافدة يهدد بنسف الأساس الأخلاقي لهذا التحوّل.
وشهادات العمال في دول الخليج تكشف بوضوح أن الوجه الأخضر لهذه المشاريع يخفي وراءه معاناة إنسانية تتطلب إصلاحات عاجلة.
اقرأ أيضًا:
“القاهرة – دبي”.. الوجه المُظلم لأوضاع العمالة المصرية في الإمارات
إصابات العمل في السعودية.. حقوق ضائعة ومطالبات بالشفافية.. شهادات: الشركات تماطل في صرف التعويضات
نظام الكفالة في السعودية.. شهادات وتجارب عن استعباد المقيمين باسم القانون
«إذن المغادرة» في الكويت 2025… مخاوف من سجن إداري جديد يطارد العمالة المصرية الوافدة
غرف مشتركة وحرارة خانقة والخصوصية مجرد حلم.. كيف يعيش العمال المصريون في الخليج؟





