كتب – محمد أبو الدهب..
تعيش أعداد كبيرة من العمالة المصرية الوافدة بدول الخليج في أوضاع سكنية غير إنسانية داخل “الغرف المشتركة”.
أوضاع سكنية لا إنسانية داخل الغرف المشتركة
غالبًا ما تكون هذه الغرف صغيرة الحجم، تضمُّ في بعض الأحيان من 6 إلى 12 عاملًا في مساحة لا تتجاوز 20 مترًا مربعًا.
وبسبب حالة التكدُّس داخل الغرف المشتركة؛ تتحول الإقامة في الخليج إلى بيئة خانقة تفتقر إلى الخصوصية والراحة، وتؤثّر على الصحة النفسية والجسدية للعاملين.
شهادات صادمة من عمال مصريين في الخليج
في السعودية، يروي “علي. ا”، وهو عامل مصري يبلغ من العمر 34 عامًا ويعمل في مجال الإنشاءات بالرياض، أنه يشارك غرفة مع 9 عمال آخرين.
ويقول: “نعيش في غرفة واحدة، لا نملك مساحة كافية للنوم، ونضطر أحيانًا لتبادل الأسرة في نوبات، إضافة إلى حمام مشترك، ومطبخ صغير يخدم 20 شخصًا في الطابق نفسه”.
ويضيف: “الحرارة خانقة في الصيف، والتكييف لا يعمل معظم الوقت”.
“الغرف المشتركة”.. شر لابد منه
في الإمارات، يروي “كريم. ع” تجربته بعد وصوله حديثًا للعمل؛ فيقول: “في البداية؛ اضطررت للإقامة مع مجموعة من المقيمين، بينهم أجانب، لتوفير نفقات المعيشة المرتفعة”.
ويضيف: “لم أتحمّل الإقامة مع آخرين ولم اعتاد هذا الأمر طوال حياتي، وعندما انتقلت إلى إمارة أخرى، أقمت في غرفة ضيقة تُشبه الخزانة لا تسعى إلا لسرير صغير فقط”.
ويوضّح أن المؤجرين من الباطن يُقسّمون الشقة الواحدة لعدة غرف صغيرة تتسع لفرد واحد، بينما يتشارك الجميع في الحمام، مبينا أن هذا أرخص خيار سكني لإقامة العمالة الوافدة.
14 عامًلا في وحدة سكنية صغيرة
ويصف “عبدالفتاح. م”، 28 عامًا، تجربته في مساكن عمال إحدى الشركات بدبي قائلاً: “أعيش في شقة مقسّمة بطريقة غير قانونية”.
و”الشقة كانت معدّة أصلاً لعائلة صغيرة، لكنها اليوم تضم 14 عاملًا مصريًا في ثلاث غرف فقط”، وفقًا لروايته، مضيفًا: “الغرف المشتركة لا تصلح للعيش، لكنها أرخص المتاح، ولا خيار آخر أمامنا”.
ويتابع: “نستخدم حمامًا واحدًا، والمطبخ مشترك للجميع، ولا توجد خصوصية، وصوت المراوح لا يتوقّف طوال الليل”.
العمال يتقاسمون “الغرف المشتركة” في الكويت
في الكويت، لا يختلف الوضع كثيرًا؛ فالعامل المصري “محمد. ع”، 42 عامًا، والذي يعمل في مطعم بمحافظة حولي يُقيم في غرفة مشتركة مع 7 أشخاص.
يقول: “لا أحد يعرف الآخر، نحن فقط نتقاسم المكان، لا الأكل ولا حتى الكلام، وفي حال حدوث أي طارئ، لا يوجد مسؤول مباشر يمكن التواصل معه، وكل شيء يديره الوسيط الذي لا نراه إلا وقت تحصيل الإيجار”.
تكاليف باهظة وظروف لا تليق بالبشر
الغرف المشتركة أصبحت الحل الوحيد أمام الكثير من العمال المصريين لمواجهة ارتفاع الإيجارات في الخليج؛ خصوصًا في ظل تدني الأجور وغياب الدعم الحكومي أو الرقابة على ممارسات أصحاب السكن.
وفي كثير من الأحيان، تُفرض على العُمَّال رسوم شهرية تتراوح بين ما يوازي 200 إلى 300 دولار مقابل غرفة مكتظّة، لا تتوافر فيها شروط السلامة أو النظافة.
إحصائيات مقلقة عن تأثير الغرف المشتركة
تشير بيانات صادرة عن منظمة “هيومن رايتس ووتش” إلى أن أكثر من 60% من العمالة الوافدة في الخليج يعيشون في مساكن مشتركة تفتقر إلى المعايير الصحية والإنسانية.
كما أظهرت دراسة خليجية نُشرت عام 2023 أن نسبة الإصابات بالأمراض الجلدية والتنفسية بين المقيمين في الغرف المشتركة تزيد بنسبة 40% عن غيرهم، بينما ترتفع معدلات الاكتئاب والقلق بنسبة 35%.
رأي حقوقي: ضرورة التحرك العاجل
يرى المحامي الحقوقي المصري كريم عامر، أن الوضع السكني للعمال المصريين في الخليج يُمثّل تهديدًا مباشرًا لحقوق الإنسان.
ويقول: “الغرف المشتركة تنتهك الكرامة الإنسانية، وتُعد بيئة غير آمنة نفسيًا وجسديًا، وهناك حاجة مُلحّة لتشريعات تضمن الحد الأدنى من شروط الإقامة الكريمة، وعلى السفارات المصرية أن تضطلع بدور رقابي أكبر”.
معاناة مستمرة وسط غياب الرقابة
تشير دراسات محلية وأخرى دولية إلى أن السكن في الغرف المشتركة يزيد من نسب العدوى بالأمراض المعدية، فضلًا عن تفشي الاكتئاب والاضطرابات النفسية بين قاطنيها.
ورُصدت حالات انتحار متكررة بين العمال الوافدين في الخليج بسبب التهميش وسوء أوضاع المعيشة، ما دفع بعض الدول الخليجية لاتخاذ خطوات محدودة لتنظيم الأمر، دون تطبيق فعّال على أرض الواقع.
حملات أمنية ضد “الغرف المشتركة”
شنّت السُّلطات الأمنية في دبي، مؤخرًا، حملات موسّعة ضد “الغرف المشتركة” التي تؤجّر من الباطن للعمال الوافدين، وذلك بعد اندلاع حريق كبير بأحد البنايات في يونيو الماضي.
واستهدفت الحملات الشقق المكتظة، حيث أُجبر أكثر من 3800 ساكن على إخلاء المبنى المكوّن من 67 طابقًا، والذي كان يضم 532 شقة مأهولة، وفقًا لتقرير الشرطة.
ولم تُسجل إصابات خطيرة في ذلك الحريق، إلا أن حريقًا آخر اندلع عام ٢٠٢٣ في حي ديرة التاريخي بدبي، أسفر عن مقتل ١٦ شخصًا على الأقل وإصابة تسعة آخرين في وحدة سكنية يُعتقد أنها مُقسّمة.
الحاجة إلى تدخل رسمي وحقوقي
تعكس هذه الظاهرة جوانب عديدة من التحديّات التي تواجه العمالة المصرية في الخليج، حيث تبرز “الغرف المشتركة” كمظهر من مظاهر الاستغلال الذي يتعرّض له العامل المغترب.
ورُغم تكرار المطالبات بتوفير سكن إنساني؛ فإن هذه الغرف لا تزال تُمثّل جزءًا كبيرًا من واقع العمال في دول الخليج، وفقًا لتجارب العمال.
في انتظار تحرُّك رسمي
وينتظر العمال المغتربون أن تتحرّك الجهات المعنية، وعلى رأسها السفارات المصرية ومكاتب العمل بدول الخليج، لمراجعة نظام سكن العمال وتعزيز الرقابة على بيئات العمل والمعيشة.
فيما ترى المنظمات الحقوقية أن العيش داخل الغرف المشتركة لا يجب أن يُنظر إليه كحل مؤقت، بل كقضية إنسانية وأمنية تستحق المعالجة العاجلة.
وبين المطالبات والتمنيّات؛ تبقى “الغرف المشتركة” عنوانًا لمعاناة صامتة يواجهها الآلاف من العمال المصريين في الخليج يوميًا، في ظل غياب حلول جذرية تضمن لهم حياة كريمة، وسكنًا يليق بكرامتهم وآدميتهم.






