كتب – محمد أبو الدهب..
تُعدّ الإمارات واحدة من أبرز وجهات السفر والعمل للمصريين؛ فتشير أحدث بيانات وزارة الخارجية المصرية إلى أن عدد العمالة المصرية في الإمارات بلغ نحو 982,375 عاملًا مصريًا في عام 2024.
ورُغم هذه الأعداد الكبيرة التي تبحث عن حلم الاستقرار وتحسين الدخل؛ فإن الواقع يكشف عن جانب مُظْلم يُعاني فيه العمالة المصرية في الإمارات من ظروف قاسية.
تلك الظروف تبدأ عادة من عقود عمل مُضللة، مرورًا بسكن غير آدمي، وصولًا إلى الخوف الدائم من الترحيل، في دولة تعتبر من أكبر الدول المستقبلة للمصريين بالخارج.
وعود برّاقة على الورق.. وحقيقة مُخيّبة
يحكي “محمد. ع”، 34 عامًا، كهربائي من محافظة الشرقية، كيف دفع 60 ألف جنيه لشركة توظيف في مصر مقابل عقد عمل بدبي براتب 2500 درهم، لكن بمجرد وصوله فوجئ أن راتبه لا يتجاوز 1200 درهم فقط.
يقول: “كنت فاكر حياتي ح تتغير، لكن لقيت نفسي بشتغل ضعف الوقت اللي كنت بشتغله في مصر وبمرتب أقل، والشركة قالتلي لو مش عاجبك ارجع على حسابك”.
هذه الشهادة تُلخّص جانبًا من المعاناة التي يواجهها قطاع كبير من العمالة المصرية في الإمارات، ممن يقعون ضحية لمكاتب التوظيف والوساطة.
سكن العمال.. حياة في زنازين جماعية
لا تقل معاناة السكن قسوة عن بيئة العمل؛ فالكثير من العمالة المصرية في الإمارات يعيشون في ما يُشبه المعسكرات الضيقة على أطراف المدن الكبرى.
“حسن. م”، 27 عامًا مقيم مصري في الإمارات، وصف الوضع بقوله: “إحنا 10 أشخاص في غرفة واحدة، أسرة فوق أسرة، مفيش خصوصية ولا حتى مكان نطبخ فيه، أوقات كتير المياه بتقطع ولساعات طويلة”.
هذه الظروف القاسية تجعل من الحياة اليومية اختبارًا مستمرًا، بعيدًا عن الصورة اللامعة للأبراج ومراكز التسوق في دبي وأبوظبي.
يروي “كريم. ع” تجربته بعد وصوله حديثًا للعمل؛ فيقول: “في البداية؛ اضطررت للإقامة مع مجموعة من المقيمين، بينهم أجانب، لتوفير نفقات المعيشة المرتفعة”.
ويضيف: “لم أتحمّل الإقامة مع آخرين ولم اعتاد هذا الأمر طوال حياتي، وعندما انتقلت إلى إمارة أخرى، أقمت في غرفة ضيقة تُشبه الخزانة لا تسعى إلا لسرير صغير فقط”.
ويوضّح أن المؤجرين من الباطن يُقسّمون الشقة الواحدة لعدة غرف صغيرة تتسع لفرد واحد، بينما يتشارك الجميع في الحمام، مبينا أن هذا أرخص خيار سكني لإقامة العمالة الوافدة.
صمت مفروض خوفًا من الترحيل
يعيش آلاف من العمالة المصرية في الإمارات تحت رحمة نظام الكفالة، الذي يمنح الكفيل سلطة شبه مطلقة.
“أحمد. س”، سائق تاكسي في الشارقة يُجسّد تلك الحالة بقوله: “لو اشتكيت من الخصومات اللي الشركة بتعملها، ممكن يلغوا إقامتي في أي وقت، وكلنا عايشين تحت رحمة الكفيل”.
والخوف من فقدان الإقامة أو الترحيل يجعل الكثيرين من العمالة المصرية في الإمارات يتجنّبون تقديم شكاوى رسمية حتى لو تعرّضوا لانتهاكات واضحة.
أرقام تكشف التناقض
- نحو 982,375 مصريًا يعملون في الإمارات حتى 2024، بحسب إحصاء وزارة الخارجية المصرية.
- معظم العمالة تتركّز في قطاعات الإنشاءات والخدمات والنقل، حيث الأجور مُنخفضة وضغط العمل مرتفع.
- تقارير حقوقية دولية تشير إلى أن ثغرات قانونية لا تزال تؤثّر على أوضاع العمالة، رُغم بعض التعديلات الأخيرة في قوانين العمل الإماراتية.

بين الحلم والواقع
رُغم هذه الصورة القاسية؛ فإن حلم السفر إلى دبي أو أبوظبي لا يزال يراود الكثير من الشباب المصري الذي يرى فيها بابًا للهروب من البطالة وضيق الحال.
لكن الحقيقة أن “الحلم الإماراتي” بالنسبة لشريحة كبيرة من العمالة المصرية في الإمارات ينتهي بواقع مليء بالاستغلال والخوف والضغوط النفسية.
وبين الحلم والواقع؛ يبدو التناقض بين بريق الواجهة الاقتصادية للإمارات ومعاناة العمال المصريين هناك، وهو ما يفتح الباب أمام ضرورة تحرُّك رسمي مصري – إماراتي لوضع ضوابط أكثر عدلاً لحماية حقوق العمالة.
اقرأ أيضًا:
إصابات العمل في السعودية.. حقوق ضائعة ومطالبات بالشفافية.. شهادات: الشركات تماطل في صرف التعويضات
نظام الكفالة في السعودية.. شهادات وتجارب عن استعباد المقيمين باسم القانون
«إذن المغادرة» في الكويت 2025… مخاوف من سجن إداري جديد يطارد العمالة المصرية الوافدة
غرف مشتركة وحرارة خانقة والخصوصية مجرد حلم.. كيف يعيش العمال المصريون في الخليج؟




