كتبت – سما صبري..
تستعد الحكومة في بريطانيا لإحداث تحولات كبيرة في نظام الرعاية الاجتماعية، في خطوة تهدف إلى ضبط الإنفاق العام وتوفير 6 مليارات جنيه إسترليني.
قد تؤثر تلك التغييرات، التي تقودها وزيرة المالية راشيل ريفز، على حياة نحو مليون شخص، لا سيما ذوي الإعاقة ومتلقي مدفوعات الاستقلال الشخصي (PIP) والائتمان الشامل (UC). وبينما تروج الحكومة لهذه الخطوات كضرورة لاحتواء العجز المالي، تزداد المخاوف من أن تقود هذه التعديلات إلى تفاقم معدلات الفقر وتعميق الأزمة المعيشية.
الفئة الأكثر تأثرًا في بريطانيا
من بين الفئات الأكثر تضررًا من تلك الإصلاحات، يأتي مستفيدو مدفوعات الاستقلال الشخصي (PIP)، وهم الأشخاص الذين يعتمدون على هذا الدعم لمساعدتهم في القيام بالأنشطة اليومية الأساسية مثل الطهي والعناية الشخصية.
حاليًا، يحصل مستفيدو PIP على دعم يصل إلى 108.55 جنيه إسترليني أسبوعيًا لتغطية تكاليف المعيشة اليومية، و75.75 جنيه إسترليني إضافية لدعم التنقل.
لكن في إطار الخطة الجديدة، تعتزم الحكومة تشديد معايير الأهلية لاستحقاق هذه المدفوعات، مما يعني أن آلاف الأشخاص قد يفقدون هذا الدعم الحيوي كما أن تجميد قيمة هذه المدفوعات يعني أنها لن تتماشى مع ارتفاع معدلات التضخم، مما سيقلص من القوة الشرائية للمستفيدين ويزيد من معاناتهم في تلبية احتياجاتهم الأساسية.
الائتمان الشامل (UC).. إعادة هيكلة وحرمان من الدعم
الائتمان الشامل (UC) هو نظام يقدم دعمًا ماليًا للعاطلين عن العمل أو أولئك الذين يعانون من صعوبات صحية تعيق قدرتهم على العمل.
بموجب القوانين، يحصل حاليًا الأفراد العاطلون عن العمل على ما يتراوح بين 311.68 و393.45 جنيه إسترليني شهريًا، بينما يحصل غير القادرين على العمل بسبب الإعاقة أو المرض على دعم إضافي يصل إلى 416.19 جنيه إسترليني.
إلا أن الحكومة تهدف من خلال الإصلاحات الجديدة إلى تقليص الفارق بين ما يحصل عليه العاطلون وما يحصل عليه غير القادرين على العمل، بهدف تشجيع المزيد من الأشخاص على البحث عن وظائف.
هذا التوجه، رغم أنه قد يساعد في تخفيف الضغط على نظام الرعاية الاجتماعية، إلا أنه يواجه انتقادات واسعة من قبل خبراء الاقتصاد والنشطاء الاجتماعيين، الذين يرون أن هذا التقليص قد يؤدي إلى دفع المزيد من الأسر إلى براثن الفقر.
إلغاء بدل دعم التوظيف (ESA)
إلى جانب تلك التعديلات، أعلنت الحكومة أيضًا عن خطط لتسريع إلغاء بدل دعم التوظيف (ESA)، وهو دعم مخصص للأشخاص غير القادرين على العمل بسبب الإعاقة أو المرض.
وتهدف الخطة إلى تحويل جميع المستفيدين من هذا البرنامج إلى نظام الائتمان الشامل بحلول أبريل 2026، أي قبل الموعد المقرر سابقًا بعامين.
هذه الخطوة تهدف إلى تبسيط نظام الرعاية الاجتماعية، لكنها قد تزيد من تعقيدات الوضع بالنسبة للمستفيدين الذين يعتمدون على هذا الدعم بشكل أساسي.
انتقادات داخلية وضغوط سياسية
أثارت هذه الإصلاحات انقسامًا داخل حزب العمال نفسه، حيث يخشى العديد من النواب أن تؤدي هذه التخفيضات إلى موجة جديدة من الفقر والحرمان.
وعبّر عدد من النشطاء الاجتماعيين عن قلقهم من أن تقليص الدعم المقدم لذوي الإعاقة سيؤدي إلى تفاقم الأزمة الصحية والاجتماعية في البلاد، مؤكدين أن الحكومة لم تأخذ بعين الاعتبار التداعيات الإنسانية لهذه الخطوات.
على الرغم من ذلك، تدافع الحكومة عن هذه الإصلاحات باعتبارها ضرورية لإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية الذي تصفه بأنه “معطل” و”غير مستدام” من الناحية المالية.
وتؤكد وزيرة المالية، راشيل ريفز، أن هذه التغييرات ستساعد في تحسين كفاءة النظام وزيادة فرص العمل، مما سيساهم في خفض البطالة وتقليل الاعتماد على الدعم الحكومي.
هل تتراجع الحكومة عن خطتها؟
في ظل الانتقادات الواسعة والضغوط السياسية، من الممكن أن تضطر الحكومة إلى تعديل بعض جوانب الخطة أو تقديم تنازلات للتخفيف من حدة الغضب الشعبي ومع ذلك، تشير التقارير إلى أن الحكومة عازمة على تنفيذ معظم هذه التغييرات كما هو مخطط لها.
هذا يعني أن ملايين البريطانيين قد يواجهون مستقبلًا ماليًا غير مستقر وصعوبات متزايدة في تلبية احتياجاتهم الأساسية وبينما تروج الحكومة لهذه الإصلاحات كضرورة مالية، يبدو أن التكلفة الاجتماعية قد تكون أكبر مما تستطيع البلاد تحمله في ظل الظروف الاقتصادية الحالية.
مستقبل غامض لملايين المواطنين
بناء على ماسبق، من الواضح أن هذه التغييرات ستؤثر بشكل كبير على حياة شريحة واسعة من المجتمع البريطاني، خصوصًا الفئات الأكثر ضعفًا.
وبينما يبقى الهدف المعلن هو تقليل العجز المالي وتحفيز النمو الاقتصادي، فإن الأثر الاجتماعي لهذه الخطوات قد يظل محسوسًا لسنوات قادمة، مما يجعل السؤال الأهم هو: هل ستتمكن الحكومة من تحقيق التوازن بين الإصلاح المالي وحماية الفئات الضعيفة في المجتمع؟