بوابة الهجرة إلى أوروبا.. كيف تحوّلت ليبيا إلى مقبرة للمهاجرين؟ شهادات حية تكشف مآسي رحلات الموت

0
1262
سجن
الهجرة إلى أوروبا محفوفة بالمخاطر

كتب – محمد أبو الدهب..

بين رمال الصحراء الليبية وأمواج البحر الأبيض المتوسط العاتية؛ تبدأ واحدة من أكثر الرحلات قسوة ومعاناة؛ فتتحوّل ليبيا من “بوابة” لأحلام الهجرة إلى أوروبا إلى مقبرة لمئات المهاجرين.

أحلام الهجرة إلى أوروبا

آلاف من الشباب المصري، مدفوعين بالبطالة واليأس، يسلكون دروبًا غير شرعية نحو “أرض الأمل” الأوروبية، يحلمون بمستقبل أفضل عبر رحلات الهجرة إلى أوروبا.

فينتهي بهم المطاف أما أسرى لجماعات التهريب، وضحايا للابتزاز والتعذيب في سجون تُجَّار البشر، أو جثثًا متحللة مجهولة الهوية تطفو على سطح مياه البحر المتوسط.

وخلال سنوات عديدة تحوّلت ليبيا، الدولة المنهكة بحروب داخلية وانقسام سياسي، إلى محطة مركزية في شبكة التهريب، ومسرحًا مفتوحًا لانتهاكات لا تُحصى في حق المهاجرين غير الشرعيين.

الهجرة إلى أوروبا

الهجرة إلى أوروبا.. من الريف المصري إلى الصحراء الليبية

في رحلات الهجرة إلى أوروبا؛ ينطلق أغلب المهاجرين المصريين من مناطق ريفية وقرى فقيرة في الصعيد والدلتا، حاملين أحلامًا ثقيلة ووعودًا من سماسرة الهجرة بالوصول السريع إلى أوروبا.

يدفع الواحد منهم ما بين 600 إلى 1000 دولار لعبور الحدود المصرية الليبية، غالبًا عبر صحراء مطروح أو واحة سيوة، وهناك، يتسلّمهم المهربون الليبيون أو عصابات عابرة للحدود، حيث تبدأ رحلة القهر الحقيقي.

وتُقدّر التكلفة الإجمالية للرحلة الكاملة من مصر إلى إيطاليا عبر ليبيا في المتوسط ما بين 3,000 إلى 5,000 دولار للشخص الواحد، مع فروق بحسب مسار الرحلة وطولها.

“محمود. أ”، شاب من ساحل سليم في أسيوط، وأحد ضحايا الهجرة غير الشرعية عبر دروب الصحراء الليبية، يحكي لـ «وصال» معاناته في تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر.

يقول محمد إنه “أمضى 8 أيام في شاحنة مُغلقة مع أكثر من 40 شخصًا، في ظروف خانقة، لا ماء ولا طعام سوى القليل، إلى أن تم إنزالهم في مخزن مهجور بمدينة بني وليد”.

وتعتبر مدينة بني وليد أحد أبرز مراكز احتجاز المهاجرين غير النظاميين في ليبيا أثناء طريق الهجرة إلى أوروبا.

الهجرة إلى أوروبا

احتجاز وتعذيب وابتزاز

في بني وليد ومناطق أخرى مثل الكفرة وسبها، يُحتجز المهاجرون لأيام وأسابيع، ويُطلب من ذويهم في مصر تحويل مبالغ إضافية مقابل إطلاق سراحهم أو السماح لهم باستكمال الرحلة إلى الشاطئ.

وكثيرون منهم يتعرّضون للضرب، والتجويع، والإهانة، وبعضهم لا يخرج حيًا في بعض الأحيان، ولا يستكمل مشوار الهجرة إلى أوروبا.

وكشف مهاجرون مصريون عن تعرّضهم للاحتجاز من قبل مهرّبين لمدة ثلاثة أيام في مخازن متهالكة غلب عليها الظلام، بدون طعام أو شراب في ظروف غير آدمية.

“سليمان. ن” أحد المهاجرين المصريين الذي احتجز داخل مخازن المهربين في مدينة أمساعد الليبية، يحكي عن تعرّضهم للضرب والإهانة والإذلال المُتعمّد.

وأشار سُليمان إلى أنه نجا من الموت، بعد أن جرى ترحيله إلى وطنه، حيث نجحت قوات الأمن الليبي في تحريرهم من قبضة المهربين، موضّحًا أن حلم الهجرة إلى أوروبا كان يراوده دائمًا.

الهجرة إلى أوروبا

قوارب الموت في عرض المتوسط

رُغم هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر؛ فإن الكثير من المهاجرين يواصلون ركوب البحر، حيث يستقلون قوارب متهالكة لا تتحمل أعدادهم ولا مسافات الهجرة إلى أوروبا.

على متن تلك القوارب يتقاسم المهاجرون مساحات ضيقة لا تكاد تكفيهم، مُتحلّين بأقصى حدود الصبر أملًا في عبور بحر إلى بلدٍ لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس.

أحد هؤلاء حكى عبر مقطع مصوّر الأهوال التي عايشها على متن قارب هجرة غير شرعية؛ كاشفًا عن مشاعر الخوف التي انتابتهم في ظلمة البحر، والأمواج الهائجة التي كادت تغرقهم.

يقول المهاجر المصري المقيم في إيطاليا حاليًا إن المياه كانت تتسلل إلى القارب لشدة الأمواج وتتخلل أنحاء المركب في لحظات ظن الجميع أنهم هالكون لا محالة.

ويضيف أنهم مكثوا لأيام في عرض البحر بدون طعام أو شراب لحين اقتراب القارب من سواحل إيطاليا الجنوبية؛ فيطلب منهم قائد المركب القفز في البحر والسباحة لمسافة طويلة.

الهجرة إلى أوروبا
إنقاذ طفل في رحلة هجرة غير شرعية

ضحايا الهجرة إلى أوروبا

خلال عام 2023 وحده، لقي أكثر من 100 مهاجر مصري حتفهم غرقًا قبالة السواحل الليبية؛ فيما لا تزال عشرات الجثث تُكتشف بين الحين والآخر.

وفي العام الجاري، أعلنت السُّلطات الليبية العثور على مقبرتين جماعيتين جنوب شرق البلاد، تضمان ما يُقارب 50 جثة لمهاجرين يُرجّح أنهم قضوا في طريق الهجرة إلى أوروبا.

آخر هؤلاء الضحايا هو الشاب المصري محمد مصطفى البيه، 18 عامًا، من قرية منية أبيار التابعة لمركز كفر الزيات بمحافظة الغربية.

ونجحت جهود الإنقاذ بالتعاون بين مؤسسة العابرين والهلال الأحمر في ليبيا من انتشال جثمان محمد مصطفى بسواحل البحر في حي الزقم بمدينة طبرق الليبية.

الهجرة إلى أوروبا
محمد البيه أحد ضحايا الهجرة

جثث على الشاطئ ومركب محترق في عرض البحر

هناك، عند الحدود المنسيّة على سواحل ليبيا الشرقية التي تقع بين مساعد ودرنة، تجلَّت واحدة من أبشع جرائم تهريب البشر؛ فتشتهر تلك المناطق بنشاط مُهرّبي رحلات الهجرة غير الشرعية.

مركبٌ في عرض البحر بالقرب من سواحل طبرق يحترق؛ مشهدٌ رصدته السُّلطات الليبية لتتحرّك إلى مكان الحادث، وتنجح في إنقاذ 30 مهاجرًا كانوا على متن المركب المنكوب.

بينما لقى 11 مهاجرًا حتفهم في الحادث، وعُثر بعدها بأيام على 10 جثامين أخرى بسواحل مطروح، في حادث هو الأبشع بين رحلات الهجرة خلال العام الجاري.

الهجرة إلى أوروبا

عمليات أمنية واسعة وترحيل جماعي للمهاجرين

تشهد العديد من المدن الساحلية الليبية حملات أمنية مُكثّفة أسفرت عن ضبط وترحيل أكثر من 300 مهاجر مصري غير شرعي، آخرهم 77 مهاجرًا.

وأعلن مكتب الإعلام الأمني بجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية عن ترحيل 225 مهاجرًا مصريًا عبر منفذ أمساعد البري، منذ أيام.

الهجرة إلى أوروبا
المهاجرون بعد تحريرهم

تحذيرات حقوقية

تتوالى التحذيرات الحقوقية من منظمات دولية، على رأسها المنظمة الدولية للهجرة وهيومن رايتس ووتش، بشأن انتهاكات جسيمة يتعرّض لها المهاجرون في مراكز الاحتجاز الليبية.

وكشفت التقارير عن أن بعض هذه المراكز تديره جماعات مُسلّحة، وأخرى تقع تحت سيطرة حكومية اسمية.

وتشير تلك التقارير إلى أن بعض الجهات الأوروبية تواصل دعم خفر السواحل الليبي ضمن سياسات وقف تدفق المهاجرين، ما يعني – فعليًا – إعادة هؤلاء إلى دوامة التعذيب نفسها.

أرقام مقلقة من قلب ليبيا

وفق أحدث تقارير المنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد المهاجرين غير النظاميين في ليبيا نحو 858 ألفًا بنهاية فبراير 2025، يُشكّل المصريون نسبة كبيرة منهم.

ويُعاني معظمهم من انعدام الرعاية الصحية والغذائية؛ فيما يبقى أطفال كُثر خارج منظومة التعليم، بلا مأوى ولا وثائق ثبوتية.

غياب الحماية القانونية

على الجانب القانوني، لا تتوفّر للمهاجرين غير الشرعيين أي حماية حقيقية، إذ لا تملك السُّلطات الليبية الموارد ولا الإرادة السياسية الكافية لحمايتهم أو تنظيم أوضاعهم.

وبينما تقبع المئات من العائلات المصرية في حيرة مصير أبنائها المفقودين، تواصل شبكات التهريب جني الملايين من تجارة البشر العابرة للحدود، في ظل فراغ أمني وقانوني وسياسي بات قاعدة في هذه المنطقة.

ورُغم كل التحذيرات؛ تبقى ليبيا أحد أكثر المسارات استخدامًا من قِبل المهاجرين المصريين في الهجرة إلى أوروبا، مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية في الداخل، وضعف البدائل الرسمية للهجرة.

انفراد بالصور والأسماء.. تفاصيل احتراق مركب الهجرة غير الشرعية في ليبيا بعد العثور على 10 جثث جديدة بسواحل مطروح

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا