السياسات الفيدرالية فقدت تأثيرها على أسعار الذهب بعد تجاوز مستويات 3000 دولار
شراء الصين للذهب لن يؤثر بشكل كبير على أسواق الذهب العالمية
الفضة مهددة بالهبوط إذا دخل الاقتصاد العالمي في حالة ركود
الاستثمار في البيتكوين غير مستحسن حاليًا بسبب تقلبات السوق
كتبت – فاتن على..
في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها العالم، يبرز الذهب كأحد أصول الاستثمار الرئيسية، ويثير النقاش حول العوامل التي تؤثر على أسعاره، سواء كانت سياسية أو اقتصادية، وذلك في الوقت الذى يزداد فيه الاهتمام بالعملات المشفرة مثل البيتكوين، لذا التقينا مع الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، في حوار خاص لبوابة “وصال”، لمناقشة تأثير التوترات الجيوسياسية على أسعار الذهب، وموقف الفضة، وكذلك مستقبل العملات المشفرة في ضوء الأحداث العالمية.

كيف تؤثر التوترات الجيوسياسية على أسعار الذهب؟
في الحقيقة، الذهب الآن ليس مرهونًا بالأحداث السياسية أو الاقتصادية التقليدية كما كنا نعتقد سابقًا، للأسف، بدأنا نلاحظ أن حركة أسعار الذهب أصبحت أكثر تأثرًا بالتطورات التصريحات السياسية أكثر من الأحداث الجيوسياسية نفسها.
على سبيل المثال، لغاية اليوم، لا يزال النزاع في أوكرانيا أو التهديدات بين أمريكا وإيران يؤثران بشكل كبير على سعر الذهب، إلا أن تصريحات مثل فرض رسوم جمركية، يمكن أن تدفع بالذهب للصعود بشكل مفاجئ، فالذهب الآن يتحرك أكثر بفعل التصريحات التي قد تصدر عن قادة دول العالم وليس من خلال وقوع أحداث سياسية حقيقية.
هل يعني هذا أن الإقبال على الذهب أصبح فقط بسبب كونه “مخزنًا للقيمة”؟
الأمر ليس بهذه البساطة، في البداية كان الذهب يرتفع عندما يتراجع الدولار، وكان هذا مفهوما في السابق أن الذهب كان يرمز لمخزن القيمة، لكن في الفترات الأخيرة، شاهدنا ارتفاعات كبيرة، مثلما حدث عندما تخطى سعر الذهب 3500 دولار للأونصة الأيام الماضية، وذلك بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول فرض رسوم جمركية على الألواح الشمسية التي تأتي من بعض الدول المتعاملة مع الصين، هذا كان أمرًا محيرًا، ولم يكن متوقعًا أن يحدث الذهب هذا الارتفاع بناءً على هذه التصريحات فقط.

هل يمكن أن يؤثر إعلان الصين عن شراء الذهب على الأسعار العالمية؟
دعيني أوضح نقطة مهمة هنا، كمية الذهب في العالم منذ بداية الخليقة وحتى الآن تُقدّر بحوالي 220 ألف طن فقط، وهذه الكمية لا يمكن لبلد واحد أن تشتريها وتحوّلها إلى احتياطي، حتى إذا اشترت الصين كل الذهب في العالم، فإن ذلك لن يؤثر بشكل جوهري على السوق حيث أن قيمته التسويقية تصل إلى 15 تريليون دولار، فالصين قد تكون تحاول تقليل اعتمادها على الدولار من خلال شراء الذهب كبديل، لكن هذا ليس له تأثير كبير على أسواق الذهب العالمية. هناك توقعات بارتفاع سعر الذهب إلى 4000 دولار للأونصة بحلول عام 2026، هل تعتقد أن هذا السيناريو ممكن؟
لا يمكن لأحد أن يحدد السعر بشكل دقيق، ما يحدث اليوم مع الذهب هو حالة من المضاربة، وكلما صدرت تصريحات من القيادة الأمريكية نجد أن الذهب يرتفع بشكل مفاجئ، لكن من المهم أن نفهم أن هذه الأسعار التي نراها اليوم ليست مقيّدة بمؤشرات تقليدية، فنحن الآن في مرحلة يشهد فيها الذهب صعودًا مدفوعًا بالتصريحات، أكثر من كونه نتاجًا لأحداث اقتصادية حقيقية.
ونؤكد هنا إذا استمر وضع الذهب كما هو عليه، قد نرى تحركات كبيرة في الأسعار قد تصل إلى 4000 دولار كما يُتوقع”.

كيف تتوقع أن تؤثر السياسات الفيدرالية على أسعار الذهب في المستقبل؟
في الواقع، السياسات الفيدرالية لم تعد ذات تأثير كبير على أسعار الذهب، عندما ارتفع الذهب إلى مستويات فوق 3000 دولار، فقدت تصريحات الفيدرالي الأمريكي مصداقيتها فيما يتعلق بتأثيرها على أسعار الذهب.
فحتى الآن، لم نشهد انخفاضًا ملحوظًا في أسعار الفائدة كما كان متوقعًا، السياسات الفيدرالية أصبحت ذات تأثير أقل مقارنة بالتفاعلات السياسية العالمية والتصريحات المؤثرة من كبار الشخصيات، وهذا يعني أن الذهب أصبح أكثر تحركًا استجابة لتلك التصريحات، وليس بسبب السياسات الاقتصادية المعتادة.

هل ترى أن أسعار الذهب قد تتجه للتصحيح في المستقبل القريب؟
طالما أن سعر الذهب يظل عند مستوى 3227 دولارًا للأونصة، من المحتمل أن يشهد السوق تصحيحًا، ولكن قد يعود للارتفاع مجددًا، في حال اختراقه لمستوى 3327 دولارًا، سنشاهد صعودًا مستمرًا قد يصل مرة أخرى إلى مناطق 3400 أو 3500 دولار للأونصة، لذا نؤكد إذا كسر الذهب مستوى 3227 دولارًا، سيشهد الذهب تراجعًا حادًا، ولكن الوضع الحالي غير مستقر ويشهد الكثير من التقلبات.
وبالنظر إلى الأزمة المالية التي حدثت عام 2008 فإن سعر أونصة الذهب ارتفعت من 1000 دولار حتى اقترب من حاجز 2000 دولار، بفعل موجة الهلع التي اجتاحت الأسواق العالمية آنذاك، إلا أن هذا الارتفاع لم يدم طويلًا، حيث شهد المعدن الأصفر تراجعًا حادًا في شهر نوفمبر من نفس العام ليهبط إلى مستوى 900 دولار فقط، واحتاج الذهب لنحو 14 عامًا كاملة حتى يعاود الصعود مجددًا إلى مستوى الـ2000 دولار.

ماذا عن الفضة؟ هناك توقعات بوصول سعرها إلى 39 دولارًا للأونصة ما صحة ذلك؟
أسعار الفضة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد العالمي، إذا دخلنا في حالة ركود، كما يتوقع البعض في أمريكا، سنشاهد تراجعًا في الطلب على الفضة، والركود هنا يُعني تقليصًا كبيرًا في الإنتاج والتصنيع، وبالتالي قد نرى مزيدًا من الضغوط على أسعار الفضة.

هل تعتقد أن الابتكارات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤثر إيجابيًا على أسعار الفضة؟
الابتكارات الحديثة قد يكون لها تأثير على السوق، ولكن ليس بالقدر الذي يعتقده البعض، على سبيل المثال، الفضة تدخل في صناعات عدة مثل الإلكترونيات، ولكن في حالة الركود، لن يكون هناك طلب كبير على هذه الصناعات.
أما عن الحديث عن تدخل الفضة في الذكاء الاصطناعي ليس دقيقًا؛ فهناك مواد أخرى مثل البلاتينوم والتيتانيوم هي الأكثر استخدامًا في تلك الصناعات، الفضة لن تكون العامل المؤثر الرئيسي في هذه الابتكارات.

ماذا عن العملات المشفرة مثل البيتكوين؟ هناك تصريحات بأن قد يصل إلى 200,000 دولار بنهاية 2025 ما صحة ذلك؟
هذه التصريحات أصبحت جزءًا من لعبة التصريحات الاقتصادية التي تديرها الإدارة الأمريكية وتؤثر بشكل مباشر على الأسواق المالية، حيث أدلى وزير الخزانة الأمريكي الحالي، سكوت بيسنت، في وقت سابق تصريح مثير قال فيه: إذا أردتم حماية أموالكم، فاتجهوا إلى العملات المشفرة، وكان سعر البيتكوين في تلك اللحظة يقترب من 87 ألف دولار. وبالفعل، شهد السوق صعودًا حادًا بعد هذا التصريح، وهو ما أحدث حالة من الاندفاع والهلع داخل الأسواق العالمية
الوضع الراهن يشير إلى غياب الاتجاهات الواضحة داخل الأسواق، فلا توجد قرارات اقتصادية مستقرة، ولا نتائج أعمال ثابتة، ولا مؤشرات مالية يُمكن الاعتماد عليها، وانما أصبحت الأسواق تتأثر بالتصريحات.

ومن وجهة نظري، لا أنصح حاليًا بالاستثمار في البيتكوين، على الرغم من أن هناك بالفعل حديثًا واسع النطاق داخل الإدارة الأمريكية حول مستقبل العملات المشفرة، وقد تمت الإشارة في بعض الاجتماعات إلى إمكانية تحويل البيتكوين إلى أحد مكونات الاحتياطي النقدي الأمريكي، وتم بالفعل تشكيل لجنة خاصة داخل البيت الأبيض لدراسة هذا الملف، وقد طُرحت فكرة الاحتفاظ بما يقرب من مليونَي وحدة من البيتكوين كاحتياطي، إلى جانب دراسة خمس عملات مشفرة أخرى كمخزون استراتيجي.
لماذا لا تنصح بشراء العملات المشفرة؟
لعدة أسباب؛ السبب الأول أن معظم الدول العربية لم تُشرّع التعامل بهذه العملات حتى الآن، كما أن عددًا من فقهاء الشريعة يعتبرونها محرمة شرعًا، أما من الناحية الاقتصادية، فإن الاستثمار في العملات المشفرة يُشبه الإمساك بحفنة من التراب، لا توجد ضمانات أو معايير يمكنك الاستناد إليها، فما يحدث في الأسواق حاليًا هو مضاربة صريحة على الطمع.



