كتبت – سما صبري..
في أعماق البحر الأبيض المتوسط، حيث تختفي الأمواج خلف الأفق، تنطفئ يوميًا أحلام مئات الشبان المصريين الذين غادروا أوطانهم بحثًا عن فرصة لحياة أفضل، ليجدوا أنفسهم أسرى رحلة قاتلة تنطلق من شواطئ ليبيا نحو مصيرٍ غامض في عرض البحر.
هذا التقرير يكشف لأول مرة، شهادات حية وصادمة من ناجين مصريين خاضوا تجربة الهجرة غير الشرعية نحو إيطاليا، حاملين بين أيديهم أحلاماً بسيطة تتلخص في فرصة عمل، حياة آمنة، ومستقبل يستحق العيش، لكن ما واجهوه على متن قوارب الموت كان شيئًا آخر تمامًا.
فمن فخاخ السماسرة وابتزاز المهربين، إلى ساعات الرعب في عرض البحر، ثم الصدمة النفسية التي تلاحق الناجين حتى بعد وصولهم، نسرد لكم قصصًا دامية تُرويها ألسنة أصحابها، لنضيء الحقيقة أمام من لا يزالون يفكرون في خوض نفس المصير.
الخداع الممنهج
تبدأ الحكاية دائمًا بخداع محكم، حيث يستغل السماسرة ضعف الشباب ويغلفون رحلة الموت بوعود وردية، يقول أحمد.س (32 عامًا) من محافظة المنيا: “أخبرونا أن القارب حديث ومزود بكافة وسائل الأمان، وأن الرحلة لن تستغرق أكثر من يوم على أقصي تقدير فدفعنا 250 ألف جنيه، لنفاجأ في النهاية بمركب مطاطي متهالك لا يصلح حتى لعبور نهر، فكيف يعبر البحر؟”
الخداع لم يتوقف عند وعود الأمان، بل امتد إلى أوهام ما سُمي بـ”المعاملة الخاصة”، حيث أقنعهم السماسرة بدفع مبالغ إضافية مقابل مزايا غير موجودة أصلًا، مثل الجلوس في مكان أقل ازدحامًا أو حمل حقيبة إضافية ليفاجئوا عند الصعود، أن القارب مجرد هيكل صغير، لا يملك من “الخصوصية” سوى اسمه، والكل مكدّس فوق بعضه وسط فوضى خانقة، يقول كريم.ع (28 عامًا)، الذي فقد شقيقه في الرحلة: “حتى الماء كانوا يبيعونه بأسعار خرافية بعدما نفدت مؤننا لم يكن هناك شيء مجاني.. لا رحمة، لا شفقة، فقط استغلال حتى الرمق الأخير.”
أيام من الجحيم العائم
بمجرد انطلاق القارب، تبدأ رحلة المعاناة الحقيقية مع الزحام، الاختناق، قلة الطعام والماء، وانعدام الأمل يقول خالد.م من أسيوط، أحد الناجين: “كنا أكثر من 120 شخصًا على قارب لا يسع سوى 40، بعضنا كان يتقيأ من الدوار، وآخرون أغمي عليهم من العطش والحر الشديد، ولا أحد يهتم أو ينجو.”
عندما يبيع المهربون أرواح البشر
الوجه الأكثر ظلامًا في هذه الرحلة يظهر عند أول لحظة خطر، حيث تختفي الوعود الزائفة ويظهر الجبن الحقيقي، فبدلًا من إنقاذ من وثقوا بهم، يهرب المهربون تاركين الجميع يواجهون الموت وحدهم.
في هذا السياق، يروي “عبدالعظيم.ر” (30 عامًا) من بني سويف لحظة الانهيار الكامل قائلاً: “عندما اقتربت سفينة خفر السواحل، قفز المهربون إلى قارب آخر أكثر أمانًا، وراحوا يساومون بعضنا على دفع مبالغ إضافية مقابل نقلهم معهم، أما من لم يملك شيئًا، فُترك لينجرف في عرض البحر. بقينا يومين لا نرى اليابسة، ولا نعرف إذا كنا سنعيش أم نموت.”
ويؤكد “حاتم.ك.” (22 عامًا) نفس الوجه القبيح للخيانة : “عندما بدأ القارب يغرق، قفز المهربون إلى قارب آخر وهربوا تركونا نصارع الموت وحدنا، لا أنسى وجوه النساء والأطفال وهم يصرخون بلا مجيب.”
أما “ياسين.و.” (27 عامًا) من الفيوم فيتحدث بمرارة: “كانوا يجبرون الناس على القفز في البحر لتخفيف وزن القارب، رأيت بعيني شابًا يُدفع إلى الماء وهو لا يعرف السباحة. مات أمامي، ولم أستطع إنقاذه
الناجون.. جراح لا تندمل
النجاة من البحر ليست نهاية المعاناة، بل بدايتها في كثير من الأحيان، فالمياه التي لفظت أجسادًا، تركت في أرواح الناجين ندوبًا لا تُرى، لكنها لا تندمل، إذ يقول “علي.ح” (29 عامًا) من الإسكندرية، وهو أحد الناجين: “أنام كل ليلة على كابوس، أرى وجوه من ماتوا بجواري، أسمع صرخاتهم، وأشم رائحة الخوف كما لو أنني ما زلت على متن القارب.”
أما من حالفهم الحظ ووصلوا إلى إيطاليا، فالمفاجأة أن النجاة لا تعني بالضرورة الحياة الكريمة، فبعضهم تواجههم معاناة جديدة: مخيمات مكتظة، أو خطر الترحيل، أو الاستغلال في العمل بظروف قاسية، وهنا يقول “حماده.ن”: “وصلت إلى إيطاليا، لكنني أعمل 12 ساعة يومياً في مزرعة بأجر لا يكفي للعيش”.
خطر الهجرة المستمر
هذه الشهادات ليست سوى غيض من فيض، فآلاف الشباب المصريين ما زالوا يعتبرون رحلة الموت خيارهم الوحيد، رغم معرفتهم بمخاطرها، الحل لا يكمن فقط في ملاحقة المهربين، بل في معالجة الأسباب الجذرية التي تدفع هؤلاء الشباب إلى المغامرة بحياتهم في سبيل تحقيق حياة أفضل


