كتبت – سما صبري..
في مدنٍ ألمانية هادئة، تقف أمهات مصريات يحاولن بناء حياة جديدة، بينما تظل قلوبهن معلّقة على طرف شاشة، حيث يلوّح الأطفال من بعيد، فبين قانون الحماية الثانوية الذي جمّد لم الشمل، وأمل يتآكل مع الوقت، تعيش هؤلاء النساء ازدواجية موجعة: عقل منشغل بالاندماج والاستقرار، وقلب لا يعرف طريقًا إلا نحو الوطن، حيث تركن كل شيء.
قصص لا تُختصر في أرقام، بل تُروى بدموع الرسائل، وبصوت أمٍ لم تعد تُعرف من قبل ابنها، إلا كصورة على الهاتف.
تبدأ الحكاية حينما قررت الحكومة الألمانية، نهاية يونيو 2025، تعليق لمّ الشمل العائلي لعامين إضافيين بالنسبة للاجئين الحاصلين على “الحماية الثانوية”، وهو القرار الذي فاجأ آلاف الأسر اللاجئة، لا سيما السوريات والمصريات المقيمات في ألمانيا.
القرار الذي صادق عليه البرلمان الألماني ضمن حزمة قوانين تهدف لتقليل أعداد الوافدين جاء في توقيت حساس، لتجد كثير من الأمهات أنفسهن أمام جدار قانوني عازل يفصل بينهن وبين أطفالهن.
انتظار بلا أفق
تقول رنا.م، وهي لاجئة مصرية وصلت إلى ألمانيا قبل أربع سنوات: “كنت أعيش على أمل لمّ شمل أبنائي بعد أن حصلت على الحماية الثانوية، انتظرت، واتبعت الإجراءات القانونية، لكن الآن يخبروننا أن ننتظر عامين إضافيين. هل يُعقل أن نُحاسب بأثر رجعي؟”
رنا، التي تخوض حاليًا تدريبًا مهنيًا وتبذل جهدًا للاندماج في المجتمع، تعيش في حالة من القلق والتشتت، إذ لا تستطيع العودة إلى بلدها، ولا جلب أبنائها إليها، حيث تضيف بحرقة: “قلبي في مصر.. وعقلي في ألمانيا.. فأين أعيش أنا؟”
قانون يقطع الأمل
بحسب القانون الجديد، فإن اللاجئين الذين لا يتمتعون بالحماية الكاملة، بل حصلوا على الحماية الثانوية، لن يحق لهم التقدم بطلبات لمّ الشمل حتى عام 2027. ويمثّل هذا القرار ضربة قاسية للأسر التي أمضت سنوات بانتظار دورها، خصوصًا أن عملية لمّ الشمل أساسًا تستغرق ما بين عام إلى عامين، حتى قبل صدور هذا التجميد.
خطر التهريب يعود
وتحت ضغط الانتظار واليأس، تضطر بعض الأمهات للبحث عن طرق غير شرعية لجمع شملهن بأطفالهن، حيث أكدت كارولين. س -مصرية تقيم في ميونخ- أن فكرة التهريب تراودها، لكنها تخاف من تكرار المآسي التي رافقت رحلتها الأولى، وتقول: “رأيت الموت على الطريق حين مررت بالغابات المظلمة بين بيلاروسيا وبولندا، ولم أكن أظن أنني سأعيش. فكيف أسمح لطفلي أن يمرّ بتلك الجحيم؟” كلماتها تختصر شعور العجز والخوف الذي يسيطر على كثير من النساء اللاجئات في ألمانيا
نداءات بلا صدى
في سياق متصل، أكد الناشط الحقوقي عباس الدليمي أن منظمته تلقت مئات الرسائل والمناشدات من أمهات عربيات، خاصة من سوريا ومصر، يطلبن المساعدة أو حتى الاستشارة.
وأضاف الدليمي بقوله: “هؤلاء النساء لا يبحثن عن رفاهية، بل عن أبسط الحقوق الإنسانية: أن يحتضنّ أبناءهن من جديد. لكن للأسف، لا توجد ضمانات، والقرار جاء قاسيًا جدًا في توقيت مأزوم”
سياسة تصطدم بالواقع
في الوقت نفسه، تدافع الحكومة الألمانية عن قرارها، مؤكدة أنه يهدف لتخفيف الضغط على الخدمات العامة، وسط تزايد التوتر داخل المجتمع الألماني بشأن ملف الهجرة، وقد صرّح المستشار فريدريش ميرتس أنه “لن يُسمح بتحويل ألمانيا إلى ملاذ مفتوح إلى ما لا نهاية”، مشيرًا إلى الحاجة لضبط الحدود وترحيل من لا يستحقون البقاء
وجوه متعددة للمعاناة
رنا وكارولين لسنَ استثناءً، فقصص الأمهات تتكرر بتفاصيل متشابهة وإن اختلفت الأسماء والظروف، فبعضهن انقطعت صلتهن بأطفالهن لأشهر طويلة، وأخريات لا يجدن سوى مكالمات متقطعة عبر إنترنت ضعيف في القرى النائية التي يعيش فيها الصغار.
وفي لقاء مع إحدى المنظمات الإنسانية في برلين، روت سيدة بحرقة: “طفلتي الصغيرة لم ترى وجهي منذ ثلاث سنوات، تراني فقط على شاشة الهاتف وتعتقد أنني شخصية كرتونية. كيف لي أن أُقنعها أنني أمها؟”
على صعيد متصل، تشير الأرقام الرسمية إلى وجود أكثر من 380 ألف لاجئ في ألمانيا يتمتعون بالحماية الثانوية، إلا أن عدد المتضررين فعليًا من قرار تجميد لمّ الشمل يبقى غير محدد بدقة.
وفي المقابل، يرى المدافعون عن حقوق اللاجئين أن القضية لا تختزل في أرقام، بل تتمثل في قصص إنسانية يجب أن تُروى وتُفهم… قبل أن تُقنّن.
أطفال بلا أمان
أما الجانب الأشد إيلامًا، بحسب ما ترويه الأمهات، فهو تأثير هذا البُعد القسري على نفسية الأطفال فبعضهم اضطروا لترك مقاعد الدراسة، وآخرون يعانون من اضطرابات سلوكية أو حالات اكتئاب، وتقول رنا: “ابني الأكبر بدأ يكتب لي رسائل يقول فيها إنه لم يعد يعرفني هل هذه هي نتائج قوانين الحماية؟ أين الحماية إذًا؟”
أمل معلق
ورغم كل شيء، لا تزال الأمهات يتشبثن بخيط أمل رفيع، في انتظار أن تُفتح الأبواب المغلقة أمام لمّ الشمل، فقرار تعليق هذا الحق الإنساني ليس مجرد نصّ قانوني جاف، بل هو فصل جديد من معاناة أمهاتٍ أُجبرن على الاختيار بين مستقبل آمن لأطفالهنّ وحقّهنّ في أن يكنّ بجوارهم.


