كتب- محمد أبو الدهب..
أصبحت حوادث العنف في ميلانو مادة خصبة للصحف المحليّة، ووقائع معتادة لدى سجلّات الشرطة، من السرقة إلى تجارة المخدرات، ومن جرائم الاغتصاب إلى القتل؛ هكذا تبدو عاصمة شمال إيطاليا.
في هذا التقرير نكشف عن خريطة غير رسمية للأحياء الأكثر ارتباطًا بما أطلق عليه ظاهرة «المارانزا»، تلك الفئة من الشباب المتمرد التي أصبحت تشكل ظاهرة اجتماعية مثيرة للجدل في ميلانو.
ظاهرة المارانزا.. جذور المصطلح ودلالاته الاجتماعية
يعود أصل مصطلح «مارانزا» إلى التطوّر اللغوي لكلمة «زانزا» الميلانية التقليدية التي تشير إلى المُحتالين، مع إضافة بادئة «مار» التي تشير إلى الأصول المغاربية.
وفي الواقع المعاصر؛ يشير المصطلح إلى فئة من المراهقين والشباب الذين يُعبِّرون عن تمرُّدهم الاجتماعي من خلال السلوك العدواني، أعمال التخريب، وارتداء ملابس ذات علامات تجارية (غالبًا مقلدة).
تتميز هذه المجموعات بسلوك القطيع ووجودها الكثيف في أماكن الحياة الليلية والساحات العامة، وتنتشر تلك المجموعات في أحياء عدة، هي الأكثر عُنفًا في ميلانو، بسبب التهميش الاجتماعي.

العنف في ميلانو.. خريطة الأحياء الأكثر تمردًا
1 – كوارتو أوجيارو.. أيقونة التهميش الاجتماعي
يبرز هذا الحي الهامشي كأكثر المناطق ارتباطًا بظاهرة المارانزا.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن الحي يشهد أعلى مُعدلّات جرائم القُصَّر في المدينة، حيث تصل نسبة البطالة بين الشباب إلى 38%.
ويعزو الخبراء هذه الظاهرة إلى تدهور البنية التحتية حيث تُعاني 60% من المباني من إهمال صارخ، ونقص حاد في المرافق الاجتماعية؛ فهناك هنا يولد الأطفال وفي جيوبهم بطاقة انتماء لعصابة ما.
2 – جيامبيلينو.. إرث الطبقة العاملة والتمرد المعاصر
رُغم مشاريع إعادة التأهيل التي كلّفت البلدية أكثر من 20 مليون يورو خلال السنوات الخمس الماضية؛ فإن هذا الحي العمالي التقليدي يُحافظ على سمعته كمرتع للمارانزا.
وتكشف دراسة أجرتها جامعة ميلانو أن 45% من سكان الحي تحت سن 25 يعيشون تحت خط الفقر، بينما تتحوّل ساحة “بياستا دي ترينتاكوي” إلى ساحة حرب كل عطلة نهاية أسبوع بين مجموعات الشباب المتنافسة.
3 – باجيو.. التناقض بين الطبيعة والتمرُّد
هذا الحي الفريد الذي يجمع بين المساكن الشعبية ومساحات خضراء شاسعة يشهد ظاهرة مثيرة؛ فـ70% من حالات التخريب المُسجّلة تحدث في الحدائق العامة خلال ساعات المساء.
وتحوّلت المتنزهات من أماكن للتنزّه والراحة لسكان الحي إلى مسارح لصراع الهويّات بين المجموعات الشبابية، الذي يقطن أغلبه مئات المهاجرين.
4 – لا بارونا.. عاصمة التمرُّد الثقافي والفني
شهد هذا الحي تحوّلاً لافتًا في السنوات الأخيرة، حيث أصبح مهدًا لنجوم الراب المحليين الذين يتغنون بمعاناة الأحياء الفقيرة.
أدّى هذا إلى جذب أعداد كبيرة من الشباب الباحثين عن الشهرة، حيث تشير إحصاءات الشرطة إلى زيادة بنسبة 30% في جرائم القُصَّر منذ 2022.

5 – ستيليارد.. صراعات عرقية
هذا الحي الذي يحتل المرتبة الخامسة بين الأحياء التي تعكس ظاهرة العنف في ميلانو.
وتكشف بيانات البلدية أن 40% من سُكًّان الحي من المهاجرين من الجيل الثاني، ما يخلق بوتقة انصهار ثقافية تتحول أحيانًا إلى صراعات بين المجموعات العرقية المختلفة.
6 – كورفيتو.. بؤرة العنف في ميلانو
يشهد هذا الحي أعلى مُعدل لبلاغات الاعتداءات في المدينة (3.5 حالة يوميًا في المتوسط).
وتحوّلت محطة المترو الرئيسية هناك إلى ما يشبه “المنطقة المهجورة” بعد الغروب، حيث تُسيّطر مجموعات «المارانزا» على المكان؛ فيخشى المواطنون الخروج بعد السابعة مساءً.

7 – سيتي لايف.. جرائم في الحي الراقي
يُمثّل هذا الحي الراقي مفارقة غريبة؛ فتحليل بيانات الشرطة يكشف أن الحي شهد زيادة بنسبة 40% في شكاوى “التجمُّعات المزعجة” خلال العام الماضي.
وتعكس هذه الظاهرة رغبة شباب «المارانزا» الجدد في الظهور حيث توجد الأضواء والمال، حتى لو كانت لا تملكهما، كنوع من التطلُّعات الطبقية بسبب التهميش الاجتماعي.
العنف في ميلانو.. الأسباب والحلول
تشير دراسة أجرتها جامعة بوكوني إلى أن 68% من «المارانزا» ينتمون لأسر تُعاني من مشاكل اقتصادية حادة، بينما 25% يأتون من أسر ميسورة ولكنهم يعانون من الفراغ العاطفي.
وتقترح منظمة «سيف ذا تشيلدرن» خطة متكاملة لمجابهة العنف في ميلانو، تشمل: زيادة المراكز الاجتماعية الشبابية بنسبة 30%، برامج تأهيل مهني مُكثّفة، تعاون أوثق بين المدارس والخدمات الاجتماعية، ومشاريع دمج ثقافي للمهاجرين.
العنف في ميلانو.. جهود حكومية ومدينة
وبينما تستعد المدينة لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية 2026؛ تبرز هذه ظاهرة العنف في ميلانو كتحدٍ اجتماعي كبير؛ بينما تؤكّد السُّلطات المحلية عملها على معالجة الجذور العميقة للمشكلة.
فهل ستنجح أجهزة المدينة المحلية بالتعاون مع المؤسسات المدنية والاجتماعية في تحويل طاقات هؤلاء الشباب المُتمرّدة إلى طاقات إيجابية تثري المجتمع بدلاً من تهديده؟!


