كتبت – سما صبري..
في خضم أزمة معيشية خانقة وتباطؤ اقتصادي مستمر، يواجه البريطانيون فصلًا جديدًا من التحديات المالية، بعد دخول قرارات حكومية حيز التنفيذ تفرض زيادات كبيرة على مساهمات أصحاب العمل في التأمين الوطني، ما أثار موجة من الغضب بين أوساط القطاع الخاص والمستهلكين على حد سواء.
زيادة مفاجئة في التأمين الوطني
فبدءًا من الأحد المقبل، سترتفع نسبة مساهمة أصحاب العمل في التأمين الوطني من 13.8% إلى 15%، مع خفض الحد الأدنى للرواتب الخاضعة للضريبة من 9,100 إلى 5,000 جنيه إسترليني سنويًّا. ويُعد هذا التغيير الأكبر منذ سنوات في نظام التأمينات الوطنية، ما وضع الشركات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، أمام تحديات مالية حقيقية.
من سيدفع الكلفة؟
ووفقًا لأرقام وزارة المالية البريطانية، فإن هذه التعديلات ستؤثر على النحو التالي:
• 940 ألف شركة ستدفع مبالغ أعلى.
• 250 ألف شركة ستستفيد من تخفيض في التكاليف.
• 820 ألف شركة لن تشهد أي تغيير.
لكن بالرغم من هذه التقديرات، سارعت شركات بارزة مثل سلسلة Kwik Fit المتخصصة في صيانة السيارات، وشركة Lush لمستحضرات التجميل، إلى الإعلان عن نيتها رفع الأسعار لتعويض هذه التكاليف الجديدة.
قطاع الضيافة في مرمى النيران
علاوة على ذلك، أطلقت منظمات القطاع الخاص تحذيرات صارخة، أبرزها من كيت نيكولز، المديرة التنفيذية لمنظمة (UKHospitality)، التي اعتبرت أن الزيادة في التأمين الوطني، إلى جانب ارتفاع الحد الأدنى للأجور بنسبة 6.7%، تمثل ضغطًا مزدوجًا على قطاع الضيافة، أحد أكثر القطاعات توظيفًا في بريطانيا.
وقالت نيكولز: “نتوقع تقليص ساعات العمل، ورفع الأسعار، وربما الاستغناء عن موظفين. هذا لا يضر بالمؤسسات فقط، بل يهدد أهداف الحكومة في دمج الناس في سوق العمل بدلاً من الاعتماد على الإعانات.”
الحكومة تدافع والمعارضة تنتقد
في المقابل، دافعت وزيرة المالية راشيل ريفز عن القرار، موضحة أنه سيُساهم في توفير نحو 25 مليار جنيه إسترليني سنويًّا بحلول عام 2029، مؤكدة في الوقت نفسه أن اتخاذ هذا القرار لم يكن سهلاً، لكنه ضروري لدعم الاستدامة المالية.
وفيما ترى الحكومة أن هذه الخطوة تهدف إلى إصلاح النظام الضريبي وضمان العدالة، وصف حزب المحافظين القرار بأنه “ضريبة على الوظائف” واعتبر أندرو غريفيث، وزير الأعمال والتجارة في حكومة الظل، أن السياسات الجديدة “قد تكون القشة التي تقصم ظهر الشركات الصغيرة”، مضيفًا أن “القطاع الخاص يئنّ تحت وطأة التكاليف المرتفعة، والحكومة تزيد من أعبائه”.
رفع الحد الأدنى للأجور
بالتوازي، يرى رئيس الوزراء كير ستارمر أن زيادة الحد الأدنى للأجور تُعد خطوة إيجابية لحماية العمال من التضخم، لكنه أقرّ بأن أزمة تكاليف المعيشة ما تزال تضغط على ملايين الأسر البريطانية. ويقول مراقبون إن الجمع بين رفع الأجور وزيادة الضرائب يخلق معادلة يصعب على الشركات التكيف معها.
تحدٍ صعب للشركات والاقتصاد
في ضوء ما سبق، تبدو الشركات البريطانية اليوم أمام معادلة شائكة: كيف يمكن الامتثال للسياسات الحكومية الجديدة دون المساس بالأرباح أو تسريح الموظفين؟ بينما يواجه المستهلكون بدورهم تهديدًا مباشرًا بارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل.
ختامًا، وبينما تروج الحكومة لإجراءاتها على أنها ضرورية لاستدامة الاقتصاد، يرى كثيرون أن التنفيذ المفاجئ ودون تدرّج قد يؤدي إلى تداعيات عكسية تطال الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، في وقت لا تزال فيه آثار بريكست وكورونا ترخي بظلالها الثقيلة.


