كتبت – سما صبري..
لم تعد التحضيرات لرحلة إلى المملكة المتحدة بالنسبة للمصريين تقتصر على حجز تذكرة طيران وفندق، بل تحولت إلى سباق معقد مع الإجراءات الجديدة التي فرضتها سلطات الهجرة البريطانية. فمع بدء تطبيق نظام تصريح السفر الإلكتروني (ETA) وتشديد القواعد على مزدوجي الجنسية، يجد كثيرون أنفسهم أمام خيارات صعبة: إلغاء الرحلات، أو دفع تكاليف إضافية لتجديد المستندات، أو مواجهة خطر الرفض عند الحدود.
نظام ETA.. خطوة أمنية تربك المسافرين
أصبح نظام (ETA) شرطًا إلزاميًا لدخول بريطانيا لمواطني دول من بينها مصر. ورغم أن الهدف المعلن هو “تعزيز أمن الحدود”، إلا أن التجربة العملية كشفت عن ارتباك وصعوبات، إذ يتعين على المسافر المصري التقديم إلكترونيًا وانتظار موافقة مسبقة، ما يضيف أعباء مالية وزمنية غير متوقعة.
يقول خالد حسن، موظف بإحدى شركات السياحة في القاهرة:
“من بداية تطبيق نظام الـ ETA والاتصالات عندنا ما بتقفش. في عملاء بيتلغى سفرهم في آخر لحظة بسبب مشاكل تقنية في التطبيق، وفيه ناس بتخسر تذاكرهم بالكامل. إحنا بقينا نقضي نص وقتنا نشرح للناس الإجراءات الجديدة اللي لسه غامضة بالنسبة لهم.”
مزدوجو الجنسية.. أزمة متفاقمة
الأزمة الأبرز تطال المصريين الحاصلين على الجنسية البريطانية. فالقواعد الجديدة تُلزم البريطانيين باستخدام جواز سفر بريطاني ساري فقط، بينما كثير من المقيمين في مصر لا يجددون جوازاتهم بانتظام بسبب التكلفة أو طول الإجراءات.
توضح هالة محمود، مصرية تحمل الجنسية البريطانية:
“اكتشفت إن جواز سفري البريطاني منتهي من سنة، وكنت محتاجة أسافر مصر لحضور زفاف أختي. حاولت أقدّم على الـ ETA، لكن النظام رفض طلبي بسبب انتهاء الجواز. في النهاية اضطريت أأجل الرحلة وخسرت تذاكر الطيران اللي كنت حاجزاها من فترة”
مأزق قانوني يربك المسافرين
ويضع نظام التقديم الإلكتروني مزدوجي الجنسية أمام مأزق حقيقي. فإذا أجاب المسافر بصدق أنه يحمل الجنسية البريطانية، يُرفض طلبه لأنه “لا يحتاج إلى ETA”، أما إذا أجاب بالنفي، فيُعتبر قد أدلى بمعلومات مضللة قد تعرّضه للحظر من دخول بريطانيا.
ويشرح أحمد فؤاد، محامٍ مختص بقضايا الهجرة:
“النظام الإلكتروني الحالي فيه فجوة قانونية واضحة. مزدوج الجنسية لو قال إنه بريطاني الطلب بيتقفل، ولو أنكر يبقى بيقدم معلومة مضللة. ده بيحط المسافرين في مأزق قانوني وعملي في نفس الوقت. الحل الوحيد هو السفر بجواز بريطاني ساري، وده مش متاح بسهولة للجميع.”
تكاليف باهظة ومعاناة إنسانية
لا تقتصر المشكلة على الإجراءات المعقدة فقط، بل تمتد إلى ارتفاع التكاليف. فإصدار “شهادة استحقاق الجنسية” مثلًا يصل إلى 600 جنيه إسترليني للفرد ويستغرق أسابيع طويلة، فيما يجد المسافرون أنفسهم مضطرين لإلغاء رحلات مخصصة لزيارة أقارب مرضى أو حضور مناسبات عائلية.
وتحكي منى عبد الغني، أم لثلاثة أبناء: “كنا مخططين نقضي الصيف عند والدي في مانشستر، لما جمعنا تكاليف الـ ETA لكل فرد مع تجديد جواز زوجي البريطاني، لقينا الميزانية خرجت تمامًا عن قدرتنا. اضطرينا نلغي الرحلة، وأولادي لحد دلوقتي زعلانين جدًا إنهم ما شافوش جدهم.”
ويضيف محمد عبد الرحيم، طالب ماجستير في جامعة بريطانية: “كان المفروض أبدأ دراستي في سبتمبر، لكن بسبب تأخر الموافقة على الـ ETA وتكرار طلب مستندات إضافية، هيضيع مني أول أسبوع من الدراسة وده سببلي ضغط نفسي وإحساس إني متأخر عن زمايلي.”
هل من حلول قريبة؟
رغم إعلان وزارة الداخلية البريطانية عن حلول مؤقتة مثل “وثيقة السفر الطارئة” لبعض الحالات، إلا أنها لا تصلح للسفر العادي أو السياحي. وبذلك يبقى الخيار الوحيد أمام مزدوجي الجنسية هو السفر بجواز بريطاني ساري، ما يزيد الأعباء على شريحة واسعة من المصريين.
بين الأمن وحرية التنقل
في نهاية المطاف، تبدو بريطانيا ماضية في سياساتها الجديدة، ما يفرض على المصريين – سواء كانوا طلابًا أو عائلات – التخطيط المسبق وتجديد الوثائق في وقت مبكر.
وبينما تؤكد لندن أن النظام الجديد يهدف إلى حماية أمنها القومي، يرى كثير من المصريين أن ثمن هذه السياسات يُدفع من وقتهم ومالهم، بل وأحيانًا من أحلامهم.


