قوانين الميراث في الغربة تربك عائلات المهاجرين.. قصص حية من قلب المعاناة

0
437

كتبت – سما صبري..

لا تقتصر تداعيات الهجرة على تغيير المكان أو اكتساب جنسية جديدة، بل تمتد إلى إعادة تشكيل مفاهيم عميقة مثل الميراث، الذي يتحول من نظام شرعي ثابت إلى ساحة صراع بين التقاليد الدينية والقوانين المدنية.

ففي بلاد المهجر، يصطدم المهاجرون بمواقف قانونية معقدة تفرضها أنظمة توزيع الإرث الغربية، التي تتعارض أحياناً مع الشريعة الإسلامية أو الأعراف الاجتماعية الموروثة. كيف يوازن المهاجرون بين التمسك بهويتهم الدينية والامتثال لقوانين الدولة المضيفة؟ وما تأثير هذا الصدام على العلاقات الأسرية وحقوق الورثة؟

الهجرة وإعادة تعريف العدالة

تتحول قضية الميراث لدى المهاجرين إلى اختبار حقيقي للهوية والانتماء، فبينما يصر بعضهم على تطبيق الشريعة الإسلامية في توزيع التركة، يختار آخرون الانصياع للقوانين المدنية التي تساوي بين الذكور والإناث،  كما في حالة إبراهيم فتوح، المصري المقيم في روسيا، الذي يؤكد أن غياب الوصية يفضي إلى توزيع الميراث وفق القانون الروسي، وهو ما قد يُهمش تقاليد الأسرة الدينية. هنا، يصبح السؤال: هل تكفي الوصية المكتوبة لحماية حقوق الورثة الشرعيين؟

معادلة صعبة في الغربة

وتكشف تجارب المصريين في الولايات المتحدة عن تناقضات حادة، فالقانون الأمريكي يُعطي الزوجة نصف التركة، ويقسم النصف الآخر بالتساوي بين الأبناء، بينما تمنع الشريعة الإسلامية توريث الزوجة غير المسلمة من زوجها المسلم.

هنا يوضح محامي الهجرة ممدوح نخلة أن بعض المهاجرين يحاولون تجاوز هذا الإشكال عبر وصايا شرعية، لكن الأجيال الجديدة – الأكثر اندماجاً – تتخلى تدريجياً عن المفاهيم الدينية لصالح المساواة المدنية.

الوصية سلاحاً ضد الورثة

أما في حالات الزيجات المختلطة أو تعدد الجنسيات، تبرز مشكلات قانونية معقدة، فوفقاً لعبد العزيز عبد الجواد، المحامي في الولايات المتحدة، يحق للزوجة الأمريكية المطالبة بنصيبها الإلزامي حتى لو استبعدها الزوج في وصيته، بينما يُحرم الأقارب في البلد الأصلي من أي حق.

هذه الثغرات تفتح الباب أمام صراعات تصل إلى المحاكم، كما في حالات الأبناء من زوجات متعددة، أو عندما تتنازع القوانين على صلاحية تنفيذ الوصية.

المهاجرات وتقسيم الميراث

بجانب ذلك، لم تعد المرأة المهاجرة ذلك الطرف السلبي في معادلة الميراث، فمع زيادة مساهمتها الاقتصادية، باتت تطالب بحقوق متساوية، مستفيدةً من القوانين الغربية، في هذا الصدد، يشير المهندس هاشم قطبي، المقيم في بريطانيا، إلى أن التحول من الأسرة الممتدة إلى النموذج الغربي أدى إلى تغيير جذري في مفهوم التوريث، خاصةً مع ظهور أجيال ترفض التمييز بين الذكور والإناث، مما يعنى أن طمس التقاليد الدينية للميراث على يد العولمة بات قريبا جداً.

في المحصلة، لا يقتصر الصراع حول الميراث في دول المهجر على كونه نزاعًا قانونيًا فحسب، بل يعكس أزمة هوية يعيشها المهاجر بين جذوره الثقافية وأطره القانونية الجديدة. وبينما تسعى الشريعة الإسلامية إلى الحفاظ على منظومة توريث راسخة، تفرض القوانين المدنية مقاربة مغايرة تقوم على المساواة المطلقة.

ولعل التحدي الأكبر لا يكمن فقط في النصوص، بل في الوعي فالتوثيق المسبق للوصايا، واللجوء إلى الوسائل القانونية المتاحة لصياغتها بما يراعي القناعات الدينية، يمثل خطوة استباقية لحماية الحقوق وتفادي النزاعات.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا