كتب – محمد أبو الدهب..
أغلقت النيابة العامة في مدينة ريميني الإيطالية التحقيق مع ضابط الكارابينييري لوتشيانو ماسيني، الذي أطلق النار على الشاب المصري محمد أبو ستة ليلة رأس السنة الماضية.
وأنهى الضابط حينها حياة الشاب المصري بعد أن طعن أربعة أشخاص بالشارع؛ ولكن خلصت التحقيقات إلى أن الضابط تصرّف وفقًا للقانون وفي إطار الدفاع المشروع عن النفس.
دفاع مُفرط عن النفس
الحادثة، التي وقعت في بلدة “فيلا فيروتشيو”، أثارت ردود فعل واسعة داخل إيطاليا، وتصدّرت عناوين الصحف والنقاشات السياسية.
وأدرج اسم الضابط في سجل المشتبه بهم بتهمة “الدفاع المفرط عن النفس”، وهو إجراء إجرائي ضروري لتمكين التحقيق، لكنه أثار تساؤلات حول حدود استخدام القوة من قبل عناصر الشرطة.

حادث مقتل محمد أبو ستة
في ليلة 31 ديسمبر 2024، كان الشاب محمد أبو ستة، البالغ من العمر 23 عامًا، يتجوّل في شوارع ريميني حاملاً سكينًا بطول 22 سنتيمترًا.
وطعن أبو ستة أربعة أشخاص بينهم شاب وفتاة واثنان من كبار السن، في حوادث منفصلة وقعت خلال وقت قصير، ما أحدث حالة من الذعر وسط المارة.
ووصل الضابط لوتشيانو ماسيني إلى موقع الحادث محاولًا السيطرة على الوضع.
وبحسب أقوال ماسيني وتقارير التحقيق، طلب منه التوقف مرارًا وهو يصيح فيه: “قف، ماذا تفعل؟ توقف، هل تريد أن تموت حقًا؟”، لكن الشاب واصل التقدم نحوه وهو يلوح بسكين ويتمتم بالعربية، حاملاً مصحفًا ومسبحة في يده.
اثنا عشر رصاصة تخترق جسد أبو ستة
أطلق ماسيني أربع طلقات تحذيرية على الأرض، قبل أن يوّجه بندقيته إلى مستوى جسد الشاب المصري ويطلق النار عليه مباشرة.
وأصابت خمس رصاصات محمد أبو ستة في مناطق مختلفة من جسده، من الكتف الأيمن إلى الصدر والرأس، ما أدّى إلى وفاته في المكان.
وبررت النيابة قرارها بإغلاق القضية بأن مقاطع الفيديو التي صورها المارة أكّدت أن إطلاق النار جاء في لحظة كان فيها الضابط محاصرًا ولا مجال لديه للمناورة أو التراجع.

من هو محمد أبو ستة؟
هو المواطن المصري محمد عبد الله عبد الحميد أبو ستة، يبلغ من العمر 23 عامًا، ومن مواليد قرية مسهلة التابعة لمركز السنطة بمحافظة الغربية بتاريخ 24 مارس 2001.
وصل محمد عبد الله أبو سنة إلى إيطاليا عن طريق رحلات الهجرة غير الشرعية في نوفمبر 2022، كلاجئ غير شرعي من مصر، مُدعيًا تُعرُّضه للاضطهاد في بلاده.
وتنقّل أبو ستة من مركز إيواء إلى آخر إلى أن تولّت رعايته جمعية «إل ميلبيدي» التعاونية بمدينة ريميني شمال إيطاليا، وأقام في الجمعية مع أجانب آخرين من المغرب والعراق والصومال.
وشهدت سلوكيات محمد تغيرات لافتة في الأشهر الأخيرة، بحسب شهادات الجيران، الذين وصفوه بأنه “منعزل” و”مضطرب نفسيًا”.
كما وُجدت في منزله أدوية نفسية، وأُبلغ عن تردده على مركز الصحة النفسية المحلي، وهذه المعطيات عززت فرضية النيابة بأنه كان يعاني من نوبة ذهانية وقت ارتكاب الهجمات.

النيابة: “تصرف الضابط مشروع ولا مجال للشك”
المدعية العامة سارة بوسا، التي أشرفت على التحقيق مع زميلتها إليزابيتا ميلوتي، أكّدت أن تصرُّف ماسيني لم يكن بدافع العنف بل بدافع الدفاع عن النفس وحماية المدنيين.
وقالت إن مقاطع الفيديو والوقائع الميدانية أوضحت أن “الضابط لم يكن لديه خيار آخر”، ما دفع النيابة لطلب حفظ القضية ووقف أي إجراءات قضائية ضد ماسيني.
ردود الفعل: جدل سياسي وتعاطف شعبي
الجدل الذي رافق التحقيق أثار انقسامًا سياسيًا؛ ففي الوقت الذي عبّرت فيه الحكومة عن تضامنها مع الضابط، أعربت منظمات حقوقية عن قلقها من التسرُّع في إغلاق القضية.
ولاقى القرار دعمًا من الأوساط الحكومية، حيث أعربت رئيسة الوزراء جيورجيا ميلوني عن دعمها للضابط ونيتها تكريمه على ما وصفته بـ”الشجاعة في مواجهة الخطر”.
كما أطلقت بلدة فيروتشيو حملة دعم شعبية جمعت نحو 40 ألف يورو لصالح الدفاع القانوني عن ماسيني.
من جانبها، تدرس عائلة الشاب محمد أبو ستة، عبر محاميها ألفارو رينالدي، إمكانية الاعتراض على قرار النيابة، والمطالبة بإعادة النظر في الملابسات.
ورُغم قرار النيابة بغلق التحقيقات في القضية؛ فإن القرار النهائي لا يزال بيد القضاة الذين لم يروا أي تجاوز من قبل الضابط خلال المواجهة.

درع أمني للشرطة بعد الحادث
منحت الحكومة للشرطة درعًا أمنيًا للحماية عبر إقرار قانون الأمن، مؤخرًا، بعد ردود الفعل الواسعة المترتبة عن حادثي مقتل المصريين رامي الجمل، ومحمد أبو ستة، حيث وجّهت انتقادات شديدة للشرطة.
ولقى رامي الجمل حتفه في مطاردة أمنية مع الشرطة بشوارع ميلانو في 24 نوفمبر الماضي، بينما قُتل محمد أبو ستة برصاص ضابط شرطة في حادث بمدينة ريميني في ليلة رأس السنة.
وشهدت مدن إيطالية أبرزها العاصمة روما اشتباكات عنيفة بين قوات الشرطة وحشود من متظاهرين يطالبون بالعدالة في قضية رامي الجمل، بينما أحيل ضباط الشرطة في الحادثين للتحقيق.


