«رأيت الموت بعيني».. طالب مصري يروي لـ«وصال» قصة نجاته بأعجوبة من جحيم طرابلس

0
408

حوار – سما صبري..

داخل سكن جامعي متواضع بمنطقة “سوق الجمعة” بالعاصمة الليبية طرابلس، كان الطالب المصري أحمد الغياتي وزملاؤه يستعدون لامتحانات طب الأسنان في جامعة التحدي، وبينما تسود أجواء التركيز والهدوء، دوّى أول انفجار ليعلن بداية ليلة لم تشبه أي ليلة، رشاشات تزمجر من كل الجهات، قذائف عشوائية تمزق صمت المدينة، وزجاج النوافذ يتناثر فوق الكتب والمذكرات.

وفي لحظات معدودة، تحوّلت طرابلس من مدينة دراسة إلى جبهة قتال، وأصبح البقاء داخل الشقة الجامعية مغامرة محفوفة بالموت، ووسط هذا الجحيم، بدأت رحلة الغياتي للفرار، رحلة لم تنتهِ إلا عندما وطأت قدماه أرض مصر عبر بوابة طائرة عسكرية أقلعت من مطار مصراتة.

في هذا الحوار الحصري مع “وصال”، يروي الغياتي كواليس ما واجهه خلال أيام الرعب، وكيف تحولت السفارة المصرية من مجرد مبنى رسمي إلى طوق نجاة، ولماذا سيظل طاقم الإجلاء في نظره الأبطال الذين أعادوه إلى الحياة.

وإلى نص الحوار..

– بدايةً، من هو أحمد الغياتى ومتى التحقت بالدراسة في ليبيا؟

أنا أحمد الغياتي، من محافظة البحيرة، وكنت أدرس طب الأسنان في جامعة التحدي بالعاصمة الليبية طرابلس منذ أربع سنوات، سافرت بسبب صعوبة القبول في الكليات الطبية داخل مصر، وكنت قد اقتربت من إنهاء السنة الرابعة قبل أن تنقلب الأوضاع رأساً على عقب.

– حدثنا متى شعرتم أن ما يحدث في طرابلس تجاوز كونه مجرد اشتباكات عابرة؟

منذ صباح اليوم الأول، عندما سقطت قذيفة هاون على عمارة مجاورة لسكننا ورأيت الجثث تُنقل على عربات عشوائية، والأطباء في المستشفيات يصرخون: ‘مفيش كهرباء.. مفيش أوكسجين!’ وحينها علمنا أن الجامعة أغلقت أبوابها، وانقطع الإنترنت، وتحولت طرابلس إلى مدينة أشباح.

– كيف تمكنتم من تأمين احتياجاتكم الأساسية من طعام وماء في ظل التصعيد العسكري؟

كنا ننتظر فترات الهدوء القصيرة التي لم تكن تتجاوز ساعتين يوميًا لنخرج ونخزن ما نجده، حتى لو كان خبزًا يابساً مع العلم أن الأسعار تضاعفت بشكل جنوني منذ اندلاع الحرب، حتى وصل سعر زجاجة المياه إلى 50 دينار والأخطر من ذلك كان صوت الميليشيات وهي تطرق الأبواب لاعتقال الشبان أو مصادرة السيارات

– هل مررتم بلحظات شعرتم خلالها بأن الموت بات قريبًا منكم؟

حدث هذا في الليلة الثالثة، حين اخترقت رصاصة طائشة جدار غرفتي واستقرت فوق الوسادة مباشرة، فاضطررنا للاختباء في الحمام طوال الليل، نتابع الأخبار عبر راديو صغير وعندما سمعنا أن الميليشيات بدأت في اختطاف أجانب للابتزاز، أدركنا أن قرب موت محقق.

–  كيف جرى التنسيق مع السفارة المصرية وسط انقطاع الاتصالات؟

كنا نحاول إرسال رسائل واتساب على  أرقام الطوارئ التى أعلنت عنها السفارة خلال لحظات الاتصال المحدودة، وعلى الفور تلقينا رسالة بها خريطة بنقاط تجمع سرية مرفقة بتأكيد على عدم التحرك إلا مع فريق الحماية التابع للسفارة.

وفي الطريق، واجهنا حواجز مسلحة، لكن الدبلوماسيين المصريين تفاوضوا بحزم لإخراجنا، فقد كان يرافقنا خلال الرحلة نائب السفير شخصيًا، وكان يردد: “مصر  لا تتخلى عن أولادها'”.

– هل واجهتم تحديات أو مخاطر أثناء محاولة الوصول إلى نقطة الإخلاء؟

نعم، كنا على بعد دقائق من اشتباك مسلح بين ميليشيتين، فاختبأنا داخل حافلة مظللة لمدة نصف ساعة حتى تأكد فريق السفارة من أن الطريق آمن فاستكملنا الرحلة

– ما مصير الطلاب المصريين الذين لم يتمكنوا من الخروج حتى الآن.. وهل لديكم تواصل معهم؟

للأسف، هناك زملاء في مناطق مثل تاجوراء والعزيزية ما زالوا عالقين، بعضهم تواصل معنا وقال إن الميليشيات تطلب إتاوات مقابل المرور، لكن علمنا منذ أيام أن السفارة تعمل الآن عبر وسطاء محليين لدفع هذه المبالغ سرًا لتأمين خروجهم.

– صف لنا لحظة الصعود إلى الطائرة المصرية.. ماذا دار في ذهنك آنذاك؟

عندما سمعنا ضابط الأمن يقول: “أهلاً بكم على أرض مصر”، بكينا جميعًا وشعرت أنني عدت إلى الحياة، كما أن الطاقم الطبي على الطائرة كان مستعدًا لجميع حالات الطوارئ، ووزعوا علينا أعلام مصرية صغيرة.. كنت أشعر أنني أحتضن وطني.

– ما أبرز المخاوف التي تؤرقكم الآن بعد العودة إلى مصر؟

الخوف الأكبر هو ضياع مستقبلنا التعليمي، فنحن تعبنا سنوات في دراسة الطب ولا نريد أن نبدأ من الصفر، الآن نعيش حالة من القلق المستمر، ونخشى أن نُنسى وسط زحمة الملفات.

– أطلقت نداءً بشأن مستقبلكم التعليمي..ما رسالتك للجهات المعنية في الدولة المصرية؟

نطالب، أنا وزملائي، بدمجنا في الجامعات المصرية برسوم ميسّرة، خاصة أننا لم نختر الدراسة في ليبيا إلا مضطرين، بسبب صعوبة القبول في الكليات الطبية داخل مصر كما نأمل في اعتماد ما اجتزناه من سنوات دراسية ولو بشكل جزئي، حفاظًا على ما بذلناه من جهد وما أنفقناه من وقت.

إلى جانب ذلك، نؤكد على أهمية توفير دعم نفسي عاجل للطلاب العائدين، فقد عايشنا مشاهد مرعبة، ويعاني بعض الزملاء من صدمات نفسية حادة لا تزال آثارها مستمرة.

– أخيرًا، ما رسالتك لزملائك الذين ما زالوا عالقين؟

أوصي جميع الطلاب العالقين في مناطق النزاع بأن يسارعوا بالتواصل مع السفارة فورًا، وألا يترددوا لحظة في طلب المساعدة، فالدولة تملك القدرة والإرادة على إعادتهم سالمين إلى أرض الوطن.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا