كتب – محمد أبو الدهب..
قصة أغرب من الخيال حدثت فصولها في إيطاليا إثر دفن شاب مصري مسلم في مقابر للمواطنين المسيحين في إيطاليا، بينما تكتشف أسرته في مصر وفاته بعد رحلة بحث عنه دامت أكثر من عامين.
رحلة مصري إلى المجهول
القصة التي كشف أحداثها رئيس الجالية المصرية في إيطاليا علي حرحش؛ بدأت حينما هاجر الشاب محمود عاطف سعيد عبد الخالق، 26 عامًا، إلى إيطاليا مُحمّلًا بأحلام وردية.
ينحدر الشاب المصري إلى قرية النعامنة بمركز منيا القمح في محافظة الشرقية، ولكنه قرر مغادرة قريته منذ سنوات والهجرة إلى إيطاليا حالمًا بمستقبل أفضل، لكن القدر كان يخبئ له نهايةً تُدمي القلوب.

البداية.. رحلة الكفاح والأمل
غادر محمود مصر، مثل آلاف الشباب، ساعيًا وراء لقمة العيش الكريم في إيطاليا، حيث عمل في محل بيتزا بمدينة ليكو شمال إيطاليا، وكان يُرسل لأهله ما يستطيع من مدخراته.
كان محمود يحمل في قلبه حلم العودة يومًا ما إلى أحضان أسرته؛ ولكن في أكتوبر 2022، انقطعت أخباره فجأة، وتحوّل الانتظار إلى كابوس طويل دام عامين ونصف العام.
ورُغم استفسارات أفراد أسرة محمود المستمرّة عنه في الجهات الرسمية والمصريين المغتربين المُقرّبين منه؛ فإنهم فشلوا في معرفة مصيره، حتى قرر شقيقه إسلام الذهاب بنفسه إلى إيطاليا للبحث عنه.
رحلة البحث عن محمود
في الثالث من يونيو، وصل إسلام إلى ميلانو، وبدأ رحلته اليائسة؛ فذهب إلى القنصلية المصرية، ثم إلى مدينة ليكو، حيث كان يعمل شقيقه، وتوجّه إلى الشرطة ليكتشف الصدمة الكبرى.
داخل قسم الشرطة، جلس إسلام، شقيق الضحية، ينتظر نتائج بحث المحققين في ملفات ووثائق تتعلق بقضايا المصريين المقيمين في ميلانو، والجثث مجهولة الهوية.

لحظة اكتشاف مصير محمود
في تلك اللحظات؛ عرض ضابط شرطة على إسلام 10 صور لأشخاص مختلفين للاطلاع عليها، لكنه فجأة توقّف عند الصورة الرابعة، وقال بلهفة: “ده أخويا محمود!”.
كانت الصورة التُقطت للشاب المصري محمود عاطف عند وصوله إلى جزيرة لامبيدوزا قادمًا من ليبيا عبر رحلة من رحلات الهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا.
تهامس ضباط الشرطة فيما بينهم، وبعد لحظات من الصمت؛ أخبروا إسلام بمصير شقيقه؛ لقد مات محمود منذ عامين ونصف العام، ولكن كيف حدث ذلك؟!
الحقيقة المُرّة
كان خبر موت محمود بمثابة صدمة مروّعة على شقيقه إسلام، الذي سيطرت عليه حالة عميقة من الحزن، عبر عنها بوصلة من البكاء، قبل أن يسرد له أفراد الأمن حقيقة ما جرى لشقيقه.
في ليلة 19 أكتوبر 2022، بينما كان محمود يسير على الطريق السريع 36 في بوسيسيو باريني، صدمته سيارة بسرعة كبيرة، وهربت، تاركة إياه ينزف وحيدًا في الظلام.
جرى استدعاء الإسعاف، لكن الإصابات كانت قاتلة؛ فمات محمود في منتصف الليل وحيدًا بعيدًا عن أهله، دون أن يعرف أحد هويته.
دُفن محمود عاطف بمقابر المسيحيين في 13 ديسمبر 2022 بدون غُسل، ولا تكفين، ولا صلاة، دون أن يدري أهله وأصدقاءه في الغربة عما جرى له.

العودة بلا لقاء.. إكليل زهور على قبر مجهول
لم يجد إسلام سوى أن يضع إكليل زهور على قبر أخيه، ويعود إلى مصر بحزن لا يُوصف، بعد أن ظل الأهل ينتظرون سنوات على أمل لقائه، ليكتشفوا أنه كان تحت الأرض، داخل قبر مجهول، في بلاد الغربة.
قصة الشاب المصري محمود عاطف ليست مُجرد خبر عابر، إنها صرخة كل مُغترب، وجرح كل أمٍّ تنتظر ابنها، وذكرى لكل شهيد غربة.


