كتبت – سما صبري..
أثار تقرير حديث نشرته صحيفة “الغارديان” جدلًا واسعًا حول تأثير القيود المفروضة على وضع الهجرة في بريطانيا على الأسر المهاجرة وأطفالها.
ووفقًا للتقرير، يواجه عشرات الآلاف من الأطفال في هذه الأسر صعوبة في الحصول على رعاية الأطفال الممولة من الحكومة، مما يزيد من مستويات الفقر ويؤثر سلبًا على فرص التعليم المبكر.
الحرمان من رعاية الأطفال المجانية
تُعد “30 ساعة من رعاية الأطفال المجانية” إحدى المبادرات الحكومية التي تهدف إلى تخفيف الأعباء عن الأسر ودعم التعليم المبكر للأطفال.
لكن الأسر المهاجرة واللاجئة تواجه عقبات كبيرة في الاستفادة من هذه الخدمة. ويرجع ذلك إلى القيود التي تفرضها الحكومة البريطانية على الأسر التي تحمل وضعًا قانونيًا يمنعها من الاستفادة من الأموال العامة.
كما أشار تقرير صادر عن معهد أبحاث السياسات العامة (IPPR) بالتعاون مع منظمة حقوق الإنسان “براكسيس”، إلى أن نحو 71 ألف أسرة في المملكة المتحدة محرومة من هذا الحق الأساسي، مما يفاقم أوضاعها المعيشية.
كما أضاف التقرير أن نحو 4 ملايين شخص يتأثرون بحالة “عدم الحق في الاستفادة من الأموال العامة” بسبب وضعهم القانوني، مما يدفع العديد من الأسر للبقاء في دوامة الفقر والعوز.
الآثار الاقتصادية والاجتماعية على الأسر
تشير البيانات إلى أن حرمان الأسر المهاجرة من رعاية الأطفال المجانية يؤدي إلى تأثيرات اقتصادية واجتماعية كبيرة. فقد أظهر استطلاع أجرته “IPPR” وبراكسيس، شمل 159 من الآباء المهاجرين، أن 55% فقط من هؤلاء الآباء تمكنوا من الحصول على رعاية أطفال مدفوعة مقارنة بـ 72% من الأسر البريطانية الأخرى.
نتيجة لذلك، تعتمد العديد من هذه الأسر على رعاية غير رسمية من أفراد الأسرة أو الأصدقاء، أو تضطر لتقليص ساعات العمل بسبب عدم توفر الدعم.
شمس ساركر، أحد الآباء الذين يعيشون في المملكة المتحدة بموجب تأشيرة عمل مهاجر ماهر، يعبر عن الصعوبات التي يواجهها مع أسرته.
فقد وُلدت ابنته في المملكة المتحدة، لكن لعدم توفر حق الاستفادة من الأموال العامة، يُحرم من الحصول على الرعاية المجانية.
ويقول ساركر: “نشعر بالإحباط الشديد لأننا نعيش هنا منذ سنوات، ورغم أن ابنتنا وُلدت في البلاد، إلا أنها لا تحصل على نفس الحقوق التي يحصل عليها الأطفال الآخرون”.
الأثر على التعليم المبكر للأطفال
يعتبر التعليم المبكر عنصرًا حيويًا في حياة الأطفال، خاصة في سنواتهم الأولى التي تشهد تطورًا كبيرًا في المهارات العقلية والاجتماعية.
لكن القيود المفروضة على الأسر المهاجرة تحرم أطفالهم من هذه الفرصة الأساسية. وأشارت د. لوسي مورت، زميلة بارزة في معهد أبحاث السياسات العامة، إلى أن هذه القيود تؤدي إلى “تفاقم الفقر وتؤثر سلبًا على تطور الأطفال الأكاديمي والنفسي”.
وأوضحت أن توفير رعاية أطفال متاحة لجميع الأطفال دون تمييز يعد خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية.
دعوات لرفع القيود وتحقيق العدالة
على الرغم من تلك القيود المفروضة، تتزايد الدعوات من قبل منظمات حقوق الإنسان وخبراء السياسات العامة لإلغاء تلك العقبات.
وقالت جوزفين ويتاكر يلماز، مديرة السياسات في “براكسيس”: “إن رفع تلك القيود هو الحل الأمثل لدعم بعض الأطفال الأكثر حرمانًا في المجتمع”.
كما أشارت إلى أن هذه الأسر بحاجة إلى الدعم أكثر من أي وقت مضى لضمان بداية جيدة للأطفال في المدرسة، وهو ما يسهم في بناء جيل أكثر قدرة على الاندماج في المجتمع.
استجابة الحكومة البريطانية
في مواجهة الانتقادات المتزايدة، أكدت وزارة التعليم البريطانية أنها تعمل على توفير فرص تعليمية متساوية لجميع الأطفال، بغض النظر عن وضعهم القانوني.
وأعلنت عن استثمار بقيمة 15 مليون جنيه إسترليني لتوفير أماكن جديدة في دور الحضانة، بهدف تلبية احتياجات الأسر التي تعاني من نقص في الرعاية المدعومة.
التأثير بعيد المدى على الفقر
ليس الفقر في بريطانيا ظاهرة جديدة، لكن القيود التي تُفرض على الأسر المهاجرة تسهم في تعميقه وزيادة حدة المعاناة ووفقًا لتقرير آخر من معهد أبحاث السياسات العامة، فإن نصف الأطفال في الأسر المهاجرة يعيشون تحت خط الفقر، مقارنة بـ 25% فقط من الأطفال في الأسر البريطانية الأخرى.
هذه الفجوة الكبيرة تعكس تأثير السياسات الحكومية وتؤكد ضرورة اتخاذ خطوات جادة لتحسين الوضع.
يمثل حرمان الأطفال في الأسر المهاجرة من رعاية الأطفال المجانية تحديًا كبيرًا يعكس مدى تأثير سياسات الهجرة على حياتهم ومستقبلهم.
ورغم وعود الحكومة بتحسين الظروف وتقديم حلول بديلة، فإن العوائق التي يواجهها هؤلاء الأطفال وأسرهم ما زالت قائمة، مما يجعل الحاجة إلى إصلاح شامل أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.


