كتبت – سما صبري..
شهدت إسبانيا في الآونة الأخيرة تصاعدًا ملحوظًا في أزمة السكن، مما دفع مئات الآلاف من المواطنين والمقيمين للمشاركة في تظاهرات ضخمة احتجاجًا على ارتفاع أسعار الإيجارات وتراجع المعروض من المنازل المتاحة بأسعار معقولة.
وتزامن هذا التصاعد مع تزايد أعداد السياح والمهاجرين، مما فاقم من حدة الأزمة التي أثرت بشكل مباشر على سكان البلاد، بمن فيهم الجاليات العربية وعلى رأسها الجالية المصرية.
السياحة المزدهرة وسوق السكن المختنق
في عام 2024، استقبلت إسبانيا عددًا قياسيًا من السياح بلغ نحو 94 مليون سائح، مما جعلها ثاني أكثر دولة جذبًا للسياحة في العالم بعد فرنسا. هذا الانتعاش في القطاع السياحي انعكس بشكل مباشر على سوق السكن، حيث ازداد الطلب على الإيجارات قصيرة الأجل، خصوصًا في المدن السياحية الكبرى مثل مدريد وبرشلونة.
وقد ساهم هذا الطلب المرتفع في رفع أسعار الإيجارات بشكل لافت، مع تحول عدد كبير من ملاك العقارات لتأجير وحداتهم كسكن سياحي مؤقت، الأمر الذي قلّص من عدد الوحدات المتاحة للإيجار طويل الأجل وأدى إلى تفاقم الأزمة السكنية، لا سيما في الأحياء التي كانت تُعتبر في السابق ميسورة التكلفة.
فجوة في المعروض ونمو غير متوازن
تشير البيانات الرسمية إلى أن النقص في المعروض السكني بلغ نحو نصف مليون وحدة سكنية، في وقت يعاني فيه سوق البناء من تباطؤ واضح، حيث لا يتم بناء سوى 120 ألف وحدة سكنية سنويًا، وهو ما يمثل سدس ما كان يُشيّد قبل الأزمة المالية في 2008.
وفي الوقت ذاته، ارتفعت أسعار المنازل في إسبانيا بنسبة 44% خلال العقد الأخير، بينما لم يشهد دخل المواطن الإسباني والمقيم نموًا متوازيًا، وما زاد الطين بلة أن المعروض من المنازل المتاحة للإيجار قد انخفض بنسبة 50% منذ جائحة كورونا، مما ضيّق الخناق على الفئات ذات الدخل المتوسط والمحدود.
أصوات من الداخل.. الجالية المصرية تحت الضغط
تنعكس هذه الأوضاع على حياة المصريين المقيمين في إسبانيا، الذين باتوا يواجهون صعوبات متزايدة في العثور على سكن مناسب.
تقول سامية، وهي مصرية مقيمة في برشلونة:
“منذ شهور ونحن نبحث عن شقة للإيجار، ولكن الأسعار أصبحت خيالية. لم نعد قادرين على تحمّل التكاليف، وأحيانًا نشعر وكأن السوق لا يرحب بنا كمقيمين دائمين.”
أما أحمد، مهندس مصري يقيم في العاصمة مدريد، فيوضح: “قبل خمس سنوات، كان بالإمكان استئجار شقة بغرفة واحدة في وسط مدريد مقابل 800 يورو شهريًا، أما الآن فقد تجاوز السعر 1200 يورو، وفي برشلونة يصل إلى 1400 يورو، ويرجع السبب الرئيسي لهذه القفزة إلى زيادة الطلب على الشقق السياحية، حيث فضّل الكثير من الملاك تحويل وحداتهم إلى إيجارات قصيرة الأجل بدلاً من تأجيرها للعائلات أو الأفراد الباحثين عن سكن دائم.”
ويضيف محمد، الذي يعمل في أحد فنادق مدريد: “الوضع أصبح لا يُحتمل ارتفاع الأسعار جعلنا نشعر بأننا غرباء في هذا المجتمع. كأننا نُدفع دفعًا لمغادرة المدن الكبرى، أو القبول بالسكن في ضواحي بعيدة رغم ارتباط عملنا بمركز المدينة”.
الشارع الإسباني يحتج
في 5 أبريل 2024، خرج مئات الآلاف في مظاهرات عارمة شملت أكثر من 40 مدينة إسبانية. وحدها مدريد استقبلت نحو 150 ألف متظاهر، طالبوا بتوفير سكن عادل وتحسين السياسات الإسكانية.
حمل المحتجون لافتات كتب عليها: “بغض النظر عمّن يحكم، السكن حق وليس امتيازًا”، في رسالة واضحة للحكومة بأن هذه الأزمة لا تتعلق بخلافات سياسية، بل بمطلب إنساني أساسي يمس كل شرائح المجتمع.
محاولات حكومية تواجه عقبات
أمام هذه التحديات، تكافح الحكومة الإسبانية بقيادة اليسار الوسط لاحتواء الأزمة عبر مقترحات لتقييد الإيجارات قصيرة الأجل وزيادة المشاريع السكنية الموجهة لذوي الدخل المحدود، لكن هذه الجهود تصطدم بمقاومة من بعض أصحاب العقارات، الذين يرون في الإيجارات السياحية مصدرًا أكثر ربحية.
ويؤكد بنك إسبانيا المركزي أن الأزمة تتطلب إصلاحات جذرية في سياسات التخطيط العمراني والضرائب العقارية، بالإضافة إلى دعم البلديات المحلية التي تكافح بمفردها للحد من النزيف السكني في مجتمعاتها.
نظرة مستقبلية.. هل من أمل قريب؟
يرى محللون أن إسبانيا بحاجة ماسة إلى استراتيجية شاملة لإصلاح سوق السكن، تبدأ بزيادة المعروض من المنازل بأسعار مقبولة، وفرض تشريعات صارمة تنظم الإيجارات قصيرة الأجل، كما يشددون على أهمية موازنة السياسات الاقتصادية التي تسعى لجذب الاستثمار والسياحة، مع ضمان حق السكن للمواطنين والمقيمين على حد سواء.
وفي ظل استمرار هذه الأزمة، يبقى الأمل معقودًا على أن تتخذ الحكومة خطوات ملموسة تضع حدًا لمعاناة ملايين الأسر، وتعيد الاستقرار إلى سوق الإسكان الإسباني قبل أن تنفجر الأوضاع أكثر.


